كأنه قال : لم تطأ على الأرض إلا أن تطأ ذيل البرد . ونزلت الآية بسبب قتل عياش
ابن أبي ربيعة الحارث بن يزيد بن أبي أنيسة ( 1 ) العامري لحنة ( 2 ) كانت بينهما ، فلما هاجر الحارث
مسلما لقيه عياش فقتله ولم يشعر بإسلامه ، فلما أخبر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :
يا رسول الله ، إنه قد كان من أمري وأمر الحارث ما قد علمت ، ولم أشعر بإسلامه حتى قتلته
فنزلت الآية . وقيل : هو استثناء متصل ، أي وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا ولا يقتص منه
إلا أن يكون خطأ ، فلا يقتص منه ، ولكن فيه كذا وكذا . ووجه آخر وهو أن يقدر كان بمعنى
استقر ووجد ، كأنه قال : وما وجد وما تقرر وما ساغ لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ إذ هو
مغلوب فيه أحيانا ، فيجئ الاستثناء على هذين التأويلين غير منقطع . وتتضمن الآية على هذا
إعظام العمد وبشاعة شأنه ، كما تقول : ما كان لك يا فلان أن تتكلم بهذا إلا ناسيا ؟ إعظاما
للعمد والقصد مع حظر الكلام به البتة . وقيل : المعنى ولا خطأ . قال النحاس : ولا يجوز
أن تكون ( إلا ) بمعنى الواو ، ولا يعرف ذلك في كلام العرب ولا يصح في المعنى ، لان الخطأ
لا يحظر . ولا يفهم من دليل خطابه جواز قتل الكافر المسلم فإن المسلم محترم الدم ، وإنما
خص المؤمن بالذكر تأكيدا لحنانه وأخوته وشفقته وعقيدته . وقرأ الأعمش ( خطأ )
ممدودا في المواضع الثلاث . ووجوه الخطأ كثيرة لا تحصى يربطها عدم القصد ، مثل أن يرمي
صفوف المشركين فيصيب مسلما . أو يسعى بين يديه من يستحق القتل من زان أو محارب
أو مرتد فطلبه ليقتله فلقي غيره فظنه هو فقتله فذلك خطأ . أو يرمي إلى غرض فيصيب
إنسانا أو ما جرى مجراه ، وهذا مما لا خلاف فيه . والخطأ اسم من أخطأ خطأ وإخطاء إذا لم
يصنع عن تعمد ، فالخطأ الاسم يقوم مقام الأخطاء . ويقال لمن أراد شيئا ففعل غيره : أخطأ ،
ولمن فعل غير الصواب : أخطأ . قال ابن المنذر : قال الله تبارك وتعالى : ( وما كان لمؤمن
أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ) إلى قوله تعالى ( ودية مسلمة إلى أهله ) فحكم الله جل ثناؤه
هامش
( 1 ) يقال فيه : الحارث بن زيد ، كما يقال : ابن أنيسة راجع ترجمته في كتاب ( الإصابة ) .
( 2 ) الحنة والا حنة : الحقد . في ط : لحقد .