صلى الله عليه وسلم حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه ، ثم رد عليه السلام . وأخرجه
مسلم وليس فيه لفظ ( بئر ( 1 ) ) . وأخرجه الدارقطني من حديث ابن عمر وفيه ( ثم رد على
الرجل السلام وقال : ( إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أني لم أكن على طهر ) ) .
الرابعة والعشرون - قوله تعالى : ( أو جاء أحد منكم من الغائط ) الغائط أصله
ما انخفض من الأرض ، والجمع الغيطان أو الأغواط ، وبه سمي غوطة دمشق . وكانت
العرب تقصد هذا الصنف من المواضع لقضاء حاجتها تسترا عن أعين الناس ، ثم سمي الحدث
الخارج من الانسان غائطا للمقارنة ( 2 ) . وغاط في الأرض يغوط إذا غاب .
وقرأ الزهري : ( من الغيط ) فيحتمل أن يكون أصله الغيط فخفف ، كهين وميت
وشبهه . ويحتمل أن يكون من الغوط ، بدلالة قولهم تغوط إذا أتى الغائط ، فقلبت واو الغوط
ياء ، كما قالوا في لا حول لا حيل . و ( أو ) بمعنى الواو ، أي إن كنتم مرضى أو على سفر
وجاء أحد منكم من الغائط فتيمموا فالسبب الموجب للتيمم على هذا هو الحدث لا المرض
والسفر ، فدل على جواز التيمم في الحضر كما بيناه . والصحيح في ( أو ) أنها على بابها عند
أهل النظر . فلأو معناها ، وللواو معناها . وهذا عندهم على الحذف ، والمعنى وإن كنتم
مرضى مرضا لا تقدرون فيه على مس الماء أو على سفر ولم تجدوا ماء واحتجتم إلى الماء .
والله أعلم .
الخامسة والعشرون - لفظ ( الغائط ) يجمع بالمعنى جميع الاحداث الناقضة للطهارة
الصغرى . وقد اختلف الناس في حصرها ، وأنبل ما قيل في ذلك أنها ثلاثة أنواع ، لا خلاف
فيها في مذهبنا : زوال العقل ، خارج معتاد ، ملامسة . وعلى مذهب أبي حنيفة ما خرج من
الجسد من النجاسات ، ولا يراعى المخرج ولا يعد اللمس . وعلى مذهب الشافعي ومحمد
ابن عبد الحكم ما خرج من السبيلين ، ولا يراعى الاعتياد ، ويعد اللمس . وإذا تقرر هذا فاعلم
أن المسلمين أجمعوا على أن من زال عقله بإغماء أو جنون أو سكر فعليه الوضوء ، واختلفوا
هامش
( 1 ) الذي في مسلم : ( . . . من نحو بئر جمل ) كرواية البخاري .
( 2 ) في ط وز : للمقاربة .