وأحمد بن حنبل وبعض أصحاب داود . وروي عن الزهري وعطاء مثل هذا القول . وروي
عن أحمد أيضا أن المضمضة سنة والاستنشاق فرض ، وقال به بعض أصحاب داود . وحجة
من لم يوجبهما أن الله سبحانه لم يذكرهما في كتابه ، ولا أوجبهما رسوله ، ولا اتفق الجميع
عليه ، والفرائض لا تثبت إلا بهذه الوجوه . احتج من أوجبهما بالآية ، وقوله تعالى :
( فاغسلوا وجوهكم ) فما وجب في الواحد من الغسل وجب في الآخر ، والنبي صلى الله عليه
وسلم لم يحفظ عنه أنه ترك المضمضة والاستنشاق في وضوئه ولا في غسله من الجنابة ، وهو
المبين عن الله مراده قولا وعملا . احتج من فرق بينهما بأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل
المضمضة ولم يأمر بها وأفعاله مندوب إليها ليست بواجبة إلا بدليل ، وفعل الاستنشاق
وأمر به ، وأمره على الوجوب أبدا .
الثامنة عشرة - قال علماؤنا : ولا بد في غسل الجنابة من النية ، لقوله تعالى : ( حتى
تغتسلوا ) وذلك يقتضي النية ، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحق وأبو ثور ، وكذلك
الوضوء والتيمم . وعضدوا هذا وبقوله تعالى : ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ( 1 ) الدين )
والاخلاص النية في التقرب إلى الله تعالى ، والقصد له بأداء ما افترض على عباده المؤمنين ،
وقال عليه السلام : ( إنما الأعمال بالنيات ) وهذا عمل . وقال الأوزاعي والحسن :
يجزئ الوضوء والتيمم بغير نية . وقال أبو حنيفة وأصحابه : كل طهارة بالماء فإنها تجزئ
بغير نية ، ولا يجزئ التيمم إلا بنية ، قياسا على إزالة النجاسة بالاجماع من الأبدان والثياب
بغير نية . ورواه الوليد بن مسلم عن مالك .
التاسعة عشرة - وأما قدر الماء الذي يغتسل به ، فروى مالك عن ابن شهاب عن عروة
ابن الزبير عن عائشة [ أم المؤمنين ( 2 ) ] رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل من
إناء هو الفرق من الجنابة . ( الفرق ) تحرك راؤه وتسكن . قال ابن وهب : ( الفرق ) مكيال
من الخشب ، كان ابن شهاب يقول : إنه يسع خمسة أقساط بأقساط بني أمية . وقد فسر
محمد بن عيسى الأعشى ( الفرق ) فقال : ثلاثة آصع ، قال : وهي خمسة أقساط ، قال :
هامش
( 1 ) راجع ج 20 ص 144
( 2 ) من ج وط .