واليه رجع أبو الفرج ورواه عن مالك ، قال : وإنما أمر بإمرار اليدين في الغسل لأنه
لا يكاد من لم يمر يديه عليه يسلم من تنكب الماء عن بعض ما يجب عليه من جسده . وقال
ابن العربي : وأعجب لأبي الفرج الذي روى وحكى عن صاحب المذهب أن الغسل دون
ذلك يجزئ ! وما قاله قط مالك نصا ولا تخريجا ، وإنما هي من أوهامه .
قلت : قد روي هذا عن مالك نصا ، قال مروان بن محمد الظاهري وهو ثقة من ثقات
الشاميين : سألت مالك بن أنس عن رجل انغمس في ماء وهو جنب ولم يتوضأ ، قال :
مضت صلاته . قال أبو عمر : فهذه الرواية فيها لم يتدلك ولا توضأ ، وقد أجزأه عند مالك .
والمشهور من مذهبه أنه لا يجزئه حتى يتدلك ، قياسا على غسل الوجه واليدين . وحجة
الجماعة أن كل من صب عليه الماء فقد اغتسل . والعرب تقول : غسلتني السماء . وقد
حكت عائشة وميمونة صفة غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يذكرا تدلكا ، ولو كان
واجبا ما تركه ، لأنه المبين عن الله مراده ، ولو فعله لنقل عنه ، كما نقل تخليل أصول شعره
بالماء وغرفه على رأسه ، وغير ذلك من صفة غسله ووضوئه عليه السلام . قال أبو عمر :
وغير نكير أن يكون الغسل في لسان العرب مرة بالعرك ( 1 ) ومرة بالصب والإفاضة ، وإذا كان
هذا فلا يمتنع أن يكون الله عز وجل تعبد عباده في الوضوء بإمرار أيديهم على وجوههم
مع الماء ويكون ذلك غسلا ، وأن يفيضوا الماء على أنفسهم في غسل الجنابة والحيض ،
ويكون ذلك غسلا موافقا للسنة غير خارج من اللغة ويكون كل واحد من الامرين
أصلا في نفسه ، لا يجب أن يرد أحدهما إلى صاحبه ، لان الأصول لا يرد بعضها إلى
بعض قياسا - وهذا ما لا خلاف فيه بين علماء الأمة . وإنما ترد الفروع قياسا على
الأصول . وبالله التوفيق .
الرابعة عشرة - حديث ميمونة وعائشة يرد ما رواه شعبة مولى ابن عباس عن ابن عباس
أنه كان إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه سبعا وفرجه سبعا . وقد روي عن ابن عمر قال :
كانت الصلاة خمسين ، والغسل من الجنابة سبع مرار ، وغسل البول من الثوب سبع مرار ،
هامش
( 1 ) العرك : الدلك .