لان العقوبة تجب على قدر النعمة ، ألا ترى أن الله تعالى قال لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم :
( يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين ( 1 ) ) فلما كانت
نعمتهن أكثر جعل عقوبتهن أشد ، وكذلك الإماء ( 2 ) لما كانت نعمتهن أقل فعقوبتهن أقل .
وذكر ( 3 ) في الآية حد الإماء خاصة ، ولم يذكر حد العبيد ، ولكن حد العبيد والإماء سواء : خمسون
جلدة في الزنى ، وفي القذف وشرب الخمر أربعون ، لان حد الأمة إنما نقص ( 4 ) لنقصان الرق
فدخل الذكور من العبيد في ذلك بعلة المملوكية ، كما دخل الإماء تحت قوله عليه السلام :
( من أعتق شركا ( 5 ) له في عبد ) . وهذا الذي يسميه العلماء القياس في معنى الأصل ، ومنه قوله
تعالى : ( والذين يرمون المحصنات ( 6 ) ) الآية . فدخل في ذلك المحصنين قطعا ، على ما يأتي بيانه
في سورة ( النور ( 6 ) ) إن شاء الله تعالى .
الموفية عشرين - وأجمع العلماء على أن بيع الأمة الزانية ليس [ بيعها ( 7 ) ] بواجب لازم على
ربها ، وإن اختاروا له ذلك ، لقوله عليه السلام : ( إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها
الحد ولا يثرب ( 8 ) عليها ثم إن زنت فليجلدها الحد ولا يثرب عليها ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها
فليبعها ولو بحبل من شعر ) . أخرجه مسلم عن أبي هريرة . وقال أهل الظاهر بوجوب بيعها
في الرابعة . منهم داود وغيره ، لقوله : ( فليبعها ) وقوله : ( ثم بيعوها ولو بضفير ) . قال
ابن شهاب : فلا أدري بعد الثالثة أو الرابعة ، والضفير الحبل . فإذا باعها عرف بزناها ، لأنه
عيب فلا يحل أن يكتم . فإن يكتم . فإن قيل : إذا كان مقصود الحديث إبعاد الزانية ووجب على بائعها
التعريف بزناها فلا ينبغي لاحد أن يشتريها ، لأنها مما قد أمرنا بإبعادها . فالجواب أنها مال
ولا تضاع ، للنهي عن إضاعة المال ، ولا تسيب ، لان ذلك إغراء لها بالزنى وتمكين منه ،
ولا تحبس دائما ، فإن فيه تعطيل منفعتها على سيدها فلم يبق إلا بيعها . ولعل السيد الثاني يعفها
بالوطئ أو يبالغ في التحرز فيمنعها من ذلك . وعلى الجملة فعند تبدل الملاك تختلف عليها
الأحوال . والله أعلم .
هامش
( 1 ) راجع ج 14 ص 173
( 2 ) في ب وط : الأمة ، نعمتها : فعقوبتها .
( 3 ) في ج : ولذلك ذكر .
( 4 ) في ب : تعين .
( 5 ) أي حصة ونصيبا .
( 6 ) راجع ج 12 ص 171 .
( 7 ) من ب وج وط .
( 8 ) لا يثرب : لا يونجها ولا يقرعها بالزنى بعد الضرب .