الايمان قد تقدم لهن في قوله تعالى : ( من فتياتكم المؤمنات ) . وأما من قال : ( إذا أحصن )
تزوجن ، وأنه لا حد عالي الأمة حتى تتزوج ، فإنهم ذهبوا إلى ظاهر القرآن وأحسبهم لم يعلموا
هذا الحديث . والامر عندنا أن الأمة إذا . زنت وقد أحصنت مجلودة بكتاب الله ، وإذا زنت
ولم تحصن مجلودة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم ولا رجم عليها ، لان الرجم لا يتنصف .
قال أبو عمر : ظاهر قول الله عز وجل يقتضي ألا حد على أمة وإن كانت مسلمة إلا بعد
التزويج ، ثم جاءت السنة بجلدها وإن لم تحصن ، فكان ذلك زيادة بيان .
قلت : ظهر المؤمن حمى لا يستباح إلا بيقين ، ولا يقين مع الاختلاف ، لولا ما جاء
في صحيح السنة من الجلد في ذلك . والله أعلم . وقال أبو ثور فيما ذكر ابن المنذر : وإن كانوا
اختلفوا في رجمهما فإنهما يرجمان إذا كانا محصنين ، وإن كان إجماع فالاجماع أولى .
الخامسة عشرة - واختلف العلماء فيمن يقيم الحد عليهما ، فقال ابن شهاب : مضت
السنة أن يحد العبد والأمة أهلوهم في الزنى ، إلا أن يرفع أمرهم إلى السلطان فليس لأحد أن
يفتات عليه ، وهو مقتضى قوله عليه السلام : ( إذا زنت أمة أحدكم فليحدها الحد ) . وقال
علي رضي الله عنه في خطبته : يا أيها الناس ، أقيموا على أرقائكم الحد ، من أحصن منهم ومن لم
يحصن ، فإن أمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت فأمرني أن أجلدها ، فإذا هي حديث عهد
بنفاس ، فخشيت إن أنا جلدتها أقتلها ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال :
( أحسنت ) . أخرجه مسلم موقوفا عن علي . وأسنده النسائي وقال فيه : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : ( أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم من أحصن منهم ومن لم يحصن )
وهذا نص في إقامة السادة الحدود على المماليك من أحصن منهم ومن لم يحصن . قال مالك
رضي الله عنه : يحد المولى عبده في الزنى وشرب الخمر والقذف إذا شهد عنده الشهود بذلك ،
ولا يقطعه في السرقة ، وإنما يقطعه الامام ، وهو قول الليث . وروي عن جماعة من
الصحابة أنهم أقاموا الحدود على عبيدهم ، منهم ابن عمر وأنس ، ولا مخالف لهم من الصحابة .
وروي عن ابن أبي ليلى أنه قال : أدركت بقايا الأنصار يضربون الوليدة من ولائدهم إذا
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 144
مساهمون: القرطبي
ص١٤٤