من الرجال كثير ولم يكمل من النساء غير مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وإن فضل
عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ) . قال علماؤنا رحمة الله عليهم : الكمال هو
التناهي والتمام ، ويقال في ماضيه " كمل " بفتح الميم وضمها ، ويكمل في مضارعه بالضم ، وكمال
كل شئ بحسبه . والكمال المطلق إنما هو لله تعالى خاصة . ولا شك أن أكمل نوع الانسان
الأنبياء ثم يليهم الأولياء من الصديقين والشهداء والصالحين . وإذا تقرر هذا فقد قيل :
إن الكمال المذكور في الحديث يعني به النبوة فيلزم عليه أن تكون مريم عليها السلام وآسية
نبيتين ، وقد قيل بذلك . والصحيح أن مريم نبية ، لان الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملك
كما أوحى إلى سائر النبيين حسب ما تقدم ويأتي بيانه أيضا في " مريم " ( 1 ) . وأما آسية فلم يرد
ما يدل على نبوتها دلالة واضحة بل على صديقيتها وفضلها ، على ما يأتي بيانه في " التحريم " ( 2 ) . وروي
من طرق صحيحة أنه عليه السلام قال فيما رواه عنه أبو هريرة : ( خير نساء العالمين
أربع مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد وفاطمة
بنت محمد ) . ومن حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( أفضل نساء أهل
الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة
فرعون ) . وفي طريق آخر عنه : ( سيدة نساء أهل الجنة بعد مريم فاطمة وخديجة ) .
فظاهر القرآن والأحاديث يقتضي أن مريم أفضل من جميع نساء العالم من حواء إلى آخر
امرأة تقوم عليها الساعة ، فإن الملائكة قد بلغتها الوحي عن الله عز وجل بالتكليف والاخبار
والبشارة كما بلغت سائر الأنبياء ، فهي إذا نبية والنبي أفضل من الولي فهي أفضل من كل
النساء : الأولين والآخرين مطلقا . ثم بعدها في الفضيلة فاطمة ثم خديجة ثم آسية . وكذلك
رواه موسى بن عقبة عن كريب عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( سيدة نساء العالمين مريم ثم فاطمة ثم خديجة ثم آسية ) . وهذا حديث حسن يرفع
الاشكال . وقد خص الله مريم بما لم يؤته أحدا من النساء ، وذلك أن روج القدس كلمها
وظهر لها ونفخ في درعها ودنا منها للنفخة ، فليس هذا لاحد من النساء . وصدقت بكلمات
هامش
( 1 ) راجع ج 11 ص 9 .
( 2 ) راجع ج 18 ص 203 .