ألا تكلم الناس ثلاثة أيام " أي تمنع من الكلام ثلاث ليال ، دليل هذا القول قوله تعالى بعد بشري
الملائكة له . " وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا " [ مريم : 9 ] ( 1 ) أي أوجدتك بقدرتي فكذلك أوجد لك
الولد . واختار هذا القول النحاس وقال : قول قتادة إن زكريا عوقب بترك الكلام قول
مرغوب عنه ، لان الله عز وجل لم يخبرنا أنه أذنب ولا أنه نهاه عن هذا ، والقول فيه أن
المعنى اجعل لي علامة تدل على كون الولد ، إذ كان ذلك مغيبا عني . و " رمزا " نصب على
الاستثناء المنقطع ، قال الأخفش . وقال الكسائي : رمز يرمز ويرمز . وقرئ " إلا رمزا "
بفتح الميم و " رمزا " بضمها وضم الراء ، الواحدة رمزة .
الثالثة - في هذه الآية دليل على أن الإشارة تنزل منزلة الكلام وذلك موجود
في كثير من السنة ، وآكد الإشارات ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم من أمر السوداء
حين قال لها : ( أين الله ) ؟ فأشارت برأسها إلى السماء فقال : ( أعتقها فإنها مؤمنة ) . فأجاز
الاسلام بالإشارة الذي هو أصل الديانة الذي يحرز الدم والمال وتستحق به الجنة وينجى به
من النار ، وحكم بإيمانها كما يحكم بنطق من يقول ذلك ، فيجب أن تكون الإشارة عاملة
في سائر الديانة ، وهو قول عامة الفقهاء . وروى ابن القاسم عن مالك أن الأخرس إذا أشار
بالطلاق إنه يلزمه . وقال الشافعي في الرجل يمرض فيختل لسانه فهو كالأخرس في الرجعة
والطلاق . وقال أبو حنيفة : ذلك جائز إذا كانت إشارته تعرف ، وإن شك فيها فهي باطل
، وليس ذلك بقياس وإنما هو استحسان . والقياس في هذا كله أنه باطل ، لأنه لا يتكلم ولا تعقل
إشارته . قال أبو الحسن بن بطال : وإنما حمل أبا حنيفة . على قول هذا أنه لم يعلم السنن التي
جاءت بجواز الإشارات في أحكام مختلفة في ( 2 ) الديانة . ولعل البخاري حاول بترجمته " باب
الإشارة في الطلاق والأمور " الرد عليه . وقال عطاء : أراد بقوله " ألا تكلم الناس " صوم
ثلاثة أيام . وكانوا إذا صاموا لا يتكلمون إلا رمزا . وهذا فيه بعد . والله أعلم .
الرابعة - قال بعض من يجيز نسخ القرآن بالسنة : إن زكريا عليه السلام منع الكلام
وهو قادر عليه ، وإنه منسوخ بقوله عليه السلام : ( لا صمت يوما إلى الليل ) ( 3 ) . وأكثر
هامش
( 1 ) راجع ج 11 ص 84 .
( 2 ) في د : من الديانة .
( 3 ) وفى البحر وابن عطية
" لا صمت يوم " . ورواية أبى داود " ولا صمات يوم إلى الليل " راجع الحديث في اللسان مادة صمت .