ذلك بلاء شديدا ، فكان لا ينام الليل من الوجع ويبيت وله زقاء ( 1 ) أي صياح ، فحلف يعقوب
عليه السلام إن شفاه الله عز وجل ألا يأكل عرقا ، ولا يأكل طعاما فيه عرق فحرمها على
نفسه ، فجعل بنوه يتبعون بعد ذلك العروق فيخرجونها من اللحم . وكان سبب غمز الملك ليعقوب ( 2 )
أنه كان نذر إن وهب الله له اثني عشر ولدا وأتى بيت المقدس صحيحا أن يذبح آخرهم ( 3 ) .
فكان ذلك للمخرج من نذره ، عن الضحاك .
الثانية - واختلف هل كان التحريم من يعقوب باجتهاد منه أو بإذن من الله تعالى ؟
والصحيح الأول ، لان الله تعالى أضاف التحريم إليه بقوله تعالى : " إلا ما حرم " وأن
النبي إذا أداه اجتهاده إلى شئ كان دينا يلزمنا اتباعه لتقرير الله سبحانه إياه على ذلك . وكما
يوحى إليه ويلزم اتباعه ، كذلك يؤذن له ويجتهد ، ويتعين موجب اجتهاده إذا قدر عليه ،
ولولا تقدم الاذن له في تحريم ذلك ما تسور ( 4 ) على التحليل والتحريم . وقد حرم نبينا صلى الله
عليه وسلم العسل على الرواية الصحيحة ، أو خادمه مارية فلم يقر الله تحريمه ونزل : " لم تحرم
ما أحل الله لك " [ التحريم : 1 ] على ما يأتي بيانه في " التحريم " ( 5 ) . قال الكيا الطبري : فيمكن أن يقال : مطلق
قوله تعالى : " لم تحرم ما أجل الله " يقتضي ألا يختص بمارية ، وقد رأى الشافعي أن
وجوب الكفارة في ذلك غير معقول المعنى ، فجعلها مخصوصا بموضع النص ، وأبو حنيفة رأى ذلك أصلا في تحريم كل مباح وأجراه مجرى اليمين .
الثالثة - قوله تعالى : ( قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ) قال
ابن عباس : لما أصاب يعقوب عليه السلام عرق النساء وصف الأطباء له أن يجتنب لحوم
الإبل فحرمها على نفسه . فقالت اليهود : إنما نحرم على أنفسنا لحوم الإبل ، لان يعقوب حرمها
وأنزل الله تحريمها في التوراة ، فأنزل الله هذه الآية . قال الضحاك : فكذبهم الله ورد عليهم
فقال : يا محمد " قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين " فلم يأتوا . فقال عز وجل :
( فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون ) قال الزجاج : في هذه الآية
هامش
( 1 ) في ز وا : رغاء ، والتصحيح من ب ، ود وح وه وج .
( 2 ) في ب ود ، وفى الأصول الأخرى :
غمز الملك فخذه .
( 3 ) في د : أحدهم .
( 4 ) تسور : هجم .
( 5 ) راجع ج 18 ص 177 .