العالمين . وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم ( 1 ) " . وقال : فتقديره تتركون مثل ذلك من
أزواجكم ، ولو لم يبح مثل ذلك من الأزواج لما صح ذلك ، وليس المباح من الموضع الآخر
مثلا له ، حتى يقال : تفعلون ذلك وتتركون مثله من المباح . قال الكيا : وهذا فيه نظر ،
إذ معناه : وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم مما فيه تسكين شهوتكم ، ولذة الوقاع
حاصلة بهما جميعا ، فيجوز التوبيخ على هذا المعنى . وفى قوله تعالى : " فإذا تطهرن فأتوهن
من حيث أمركم الله " مع قوله : " فأتوا حرثكم " ما يدل على أن في المأتى اختصاصا ، وأنه
مقصور على موضع الولد . قلت : هذا هو الحق في المسألة . وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر أن العلماء لم يختلفوا
في الرتقاء التي لا يوصل إلى وطئها أنه عيب ترد به ، إلا شيئا جاء عن عمر بن عبد العزيز من
وجه ليس بالقوى أنه لا ترد الرتقاء ولا غيرها ، والفقهاء كلهم على خلاف ذلك ، لان المسيس
هو المبتغى بالنكاح ، وفى إجماعهم على هذا دليل على أن الدبر ليس بموضع وطئ ، ولو كان
موضعا للوطئ ما ردت من لا يوصل إلى وطئها في الفرج . وفى إجماعهم أيضا على أن العقيم
التي لا تلد لا ترد . والصحيح في هذه المسألة ما بيناه . وما نسب إلى مالك وأصحابه من هذا
باطل وهم مبرؤون من ذلك ، لان إباحة الاتيان مختصة بموضع الحرث ، لقوله تعالى : " فأتوا
حرثكم " ، ولأن الحكمة في خلق الأزواج بث النسل ، فغير موضع النسل لا يناله مالك النكاح ،
وهذا هو الحق . وقد قال أصحاب أبي حنيفة : إنه عندنا ولائط الذكر سواء في الحكم ،
ولأن القذر والأذى في موضع النجو ( 2 ) أكثر من دم الحيض ، فكان أشنع . وأما صمام البول
فغير صمام الرحم . وقال ابن العربي في قبسه : قال لنا الشيخ الامام فخر الاسلام أبو بكر محمد
بن أحمد بن الحسين فقيه الوقت وإمامه : الفرج أشبه شئ بخمسة وثلاثين ، وأخرج يده
عاقدا بها . وقال : مسلك البول ما تحت الثلاثين ، ومسلك الذكر والفرج ما اشتملت عليه
الخمسة ، وقد حرم الله تعالى الفرج حال الحيض لأجل النجاسة العارضة . فأولى أن يحرم الدبر
لأجل النجاسة اللازمة . وقال مالك لابن وهب وعلي بن زياد لما أخبراه أن ناسا بمصر
هامش
( 1 ) آية 165 سورة الشعراء .
( 2 ) النجو : ما يخرج من البطن من ريح وغائط .