يفرض ، ولما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التزوج لمعنى الذوق وقضاء الشهوة ، وأمر
بالتزوج لطلب العصمة والتماس ثواب الله وقصد دوام الصحبة ، وقع في نفوس المؤمنين أن
من طلق قبل البناء قد واقع جزءا من هذا المكروه ، فنزلت الآية رافعة للجناح في ذلك إذا كان
أصل النكاح على المقصد الحسن . وقال قوم : " لا جناح عليكم " معناه لا طلب لجميع المهر
بل عليكم نصف المفروض لمن فرض لها ، والمتعة لمن لم يفرض لها . وقيل : لما كان أمر المهر
مؤكدا في الشرع فقد يتوهم أنه لا بد من مهر إما مسمى وإما مهر المثل ، فرفع الحرج عن
المطلق في وقت التطليق وإن لم يكن في النكاح مهر . وقال قوم : " لا جناح عليكم " معناه
في أن ترسلوا الطلاق في وقت الحيض ، بخلاف المدخول بها ، إذ غير المدخول بها لا عدة عليها .
الثانية - المطلقات أربع : مطلقة مدخول بها مفروض لها وقد ذكر الله حكمها
قبل هذه الآية ، وأنه لا يسترد منها شئ من المهر ، وأن عدتها ثلاثة قروء . ومطلقة غير
مفروض لها ولا مدخول بها فهذه الآية في شأنها ولا مهر لها ، بل أمر الرب تعالى بإمتاعها ،
وبين في سورة " الأحزاب " أن غير المدخول بها إذا طلقت فلا عدة عليها ، وسيأتي ( 1 ) . ومطلقة
مفروض لها غير مدخول بها ذكرها بعد هذه الآية إذ قال : " وإن طلقتموهن من قبل أن
تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة " ، ومطلقة مدخول بها غير مفروض لها ذكرها الله في قوله :
" فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن " ( 2 ) ، فذكر تعالى هذه الآية والتي بعدها مطلقة قبل
المسيس وقبل الفرض ، ومطلقة قبل المسيس وبعد الفرض ، فجعل للأولى المتعة ، وجعل
للثانية نصف الصداق لما لحق الزوجة من دحض العقد ، ووصم الحل الحاصل للزوج بالعقد ،
وقابل المسيس بالمهر الواجب .
الثالثة - لما قسم الله تعالى حال المطلقة هنا قسمين : مطلقة مسمى لها المهر ،
ومطلقة لم يسم لها ، دل على أن نكاح التفويض جائز ، وهو كل نكاح عقد من غير ذكر الصداق ،
ولا خلاف فيه ، ويفرض بعد ذلك الصداق ، فإن فرض التحق بالعقد وجاز ، وإن لم
يفرض لها وكان الطلاق لم يجب صداق إجماعا ، قاله القاضي أبو بكر بن العربي . وحكى
هامش
( 1 ) راجع ج 14 ص 202 .
( 2 ) راجع ج 5 ص 129