مفطرا . وقال الحسن البصري : يفطر إن شاء في بيته يوم يريد أن يخرج . وقال أحمد :
يفطر إذا برز عن البيوت . وقال إسحاق : لا ، بل حين يضع رجله في الرحل . قال ابن المنذر :
قول أحمد صحيح ، لأنهم يقولون لمن أصبح صحيحا ثم اعتل : إنه يفطر بقية يومه ،
وكذلك إذا أصبح في الحضر ثم خرج إلى السفر فله كذلك أن يفطر . وقالت طائفة : لا يفطر
يومه ذلك وإن نهض في سفره ، كذلك قال الزهري ومكحول ويحيى الأنصاري ومالك
والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي . واختلفوا إن فعل ، فكلهم قال يقضي ولا يكفر .
قال مالك : لان السفر عذر طارئ ، فكان كالمرض يطرأ عليه . وروي عن بعض أصحاب مالك
أنه يقضي ويكفر ، وهو قول ابن كنانة والمخزومي ، وحكاه الباجي عن الشافعي ، واختاره
ابن العربي وقال به ، قال : لان السفر عذر طرأ بعد لزوم العبادة ويخالف المرض والحيض ،
لان المرض يبيح له الفطر ، والحيض يحرم عليها الصوم ، والسفر لا يبيح له ذلك فوجبت عليه
الكفارة لهتك حرمته . قال أبو عمر : وليس هذا بشئ ، لان الله سبحانه قد أباح له الفطر
في الكتاب والسنة . وأما قولهم " لا يفطر " فإنما ذلك استحباب لما عقده فإن أخذ برخصة
الله كان عليه القضاء ، وأما الكفارة فلا وجه لها ، ومن أوجبها فقد أوجب ما لم يوجبه الله
ولا رسوله صلى الله عليه وسلم . وقد روي عن ابن عمر في هذه المسألة : يفطر إن شاء
في يومه ذلك إذا خرج مسافرا ، وهو قول الشعبي وأحمد وإسحاق .
قلت : وقد ترجم البخاري رحمه الله على هذه المسألة " باب من أفطر في السفر ليراه
الناس " وساق الحديث عن ابن عباس قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة
إلى مكة فصام حتى بلغ عسفان ( 1 ) ، ثم دعا بماء فرفعه إلى يديه ليريه الناس فأفطر حتى قدم مكة
وذلك في رمضان . وأخرجه مسلم أيضا عن ابن عباس وقال فيه : ثم دعا بإناء فيه شراب
شربه نهارا ليراه الناس ثم أفطر حتى دخل مكة . وهذا نص في الباب فسقط ما خالفه ، وبالله
التوفيق . وفيه أيضا حجة على من يقول : إن الصوم لا ينعقد في السفر . روي عن عمر وابن عباس
هامش
( 1 ) عسفان ( بضم العين وسكون السين المهملتين ) : قرية بينها وبين مكة ثمانية وأربعون ميلا .