دعته ضرورة المرض نفسه إلى الفطر ، ومتى احتمل الضرورة معه لم يفطر . وهذا قول
الشافعي رحمه الله تعالى .
قلت : قول ابن سيرين أعدل شئ في هذا الباب إن شاء الله تعالى . قال البخاري :
اعتللت بنيسابور علة خفيفة وذلك في شهر رمضان ، فعادني إسحاق بن راهويه نفر من
أصحابه فقال لي : أفطرت يا أبا عبد الله ؟ فقلت نعم . فقال : خشيت أن تضعف عن
قبول الرخصة . قلت : حدثنا عبدان عن ابن المبارك عن ابن جريج قال قلت لعطاء : من أي
المرض أفطر ؟ قال : من أي مرض كان ، كما قال الله تعالى : " فمن كان منكم مريضا "
قال البخاري : وهذا الحديث لم يكن عند إسحاق . وقال أبو حنيفة : إذا خاف الرجل على نفسه
وهو صائم إن لم يفطر أن تزداد عينه وجعا أو حماه شدة أفطر .
الثانية - قوله تعالى : " أو على سفر " اختلف العلماء في السفر الذي يجوز فيه الفطر
والقصر ، بعد إجماعهم على سفر الطاعة كالحج والجهاد ، ويتصل بهذين سفر صلة الرحم وطلب
المعاش الضروري . أما سفر التجارات والمباحات فمختلف فيه بالمنع والإجازة ، والقول بالجواز
أرجح . وأما سفر العاصي فيختلف فيه بالجواز والمنع ، والقول بالمنع أرجح ، قاله ابن عطية .
ومسافة الفطر عند مالك حيث تقصر الصلاة . واختلف العلماء في قدر ذلك ، فقال مالك :
يوم وليلة ، ثم رجع فقال : ثمانية وأربعون ميلا ، قال ابن خويز منداد : وهو ظاهر
مذهبه ، وقال مرة : اثنان وأربعون ميلا ، وقال مرة ستة وثلاثون ميلا ، وقال مرة :
مسيرة يوم وليلة ، وروى عنه يومان ، وهو قول الشافعي . وفصل مرة بين البر والبحر ،
فقال في البحر مسيرة يوم وليلة ، وفي البر ثمانية وأربعون ميلا ، وفي المذهب ثلاثون ميلا ،
وفي غير المذهب ثلاثة أميال . وقال ابن عمرو وابن عباس والثوري : الفطر في سفر ثلاثة
أيام ، حكاه ابن عطية .
قلت : والذي في البخاري : وكان ابن عمر وابن عباس يفطران ويقصران في أربعة
برد وهي ستة عشر فرسخا .
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 277
مساهمون: القرطبي
ص٢٧٧