وقد قيل : إن " كتب " هنا إخبار عما كتب في اللوح المحفوظ وسبق به القضاء . والقصاص
مأخوذ من قص الأثر وهو اتباعه ، ومنه القاص لأنه يتبع الآثار والأخبار . وقص الشعر
اتباع أثره ، فكأن القاتل سلك طريقا من القتل فقص أثره فيها ومشى على سبيله في ذلك ،
ومنه " فارتدا على آثارهما قصصا " [ الكهف : 64 ] . وقيل : القص القطع ، يقال : قصصت ما بينهما .
ومنه أخذ القصاص ، لأنه يجرحه مثل جرحه أو يقتله به ، يقال : أقص الحاكم فلانا من فلان
وأباءه به فأمثله فامتثل منه ، أي اقتص منه .
الثالثة - صورة القصاص هو أن القاتل فرض عليه إذا أراد الولي القتل الاستسلام
لأمر الله والانقياد لقصاصه المشروع ، وأن الولي فرض عليه الوقوف عند قاتل وليه وترك
التعدي على غيره ، كما كانت العرب تتعدى فتقتل غير القاتل ، وهو معنى قوله عليه السلام :
( إن من أعتى الناس على الله يوم القيامة ثلاثة رجل قتل غير قاتله ورجل قتل في الحرم
ورجل أخذ بذحول ( 1 ) الجاهلية ) . قال الشعبي وقتادة وغيرهما : إن أهل الجاهلية كان فيهم بغي
وطاعة للشيطان ، فكان الحي إذا كان فيه عز ومنعة فقتل لهم عبد ، قتله عبد قوم آخرين
قالوا : لا نقتل به إلا حرا ، وإذا قتلت منهم امرأة قالوا : لا نقتل بها إلا رجلا ، وإذا
قتل لهم وضيع قالوا : لا نقتل به إلا شريفا ، ويقولون : ( القتل أوقى للقتل ) بالواو والقاف
، ويروي ( أبقى ) بالباء والقاف ، ويروى ( أنفى ) بالنون والفاء ، فنهاهم الله عن البغي
فقال : " كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد " الآية ، وقال " ولكم
في القصاص حياة " [ البقرة : 179 ] . وبين الكلامين في الفصاحة والجزل بون عظيم .
الرابعة - لا خلاف أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الامر ، فرض عليهم
النهوض بالقصاص وإقامة الحدود وغير ذلك ، لان الله سبحانه خاطب جميع المؤمنين
بالقصاص ، ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعا أن يجتمعوا على القصاص ، فأقاموا السلطان مقام أنفسهم
هامش
( 1 ) الذحل ( بفتح فسكون ) : قيل هو العداوة والحقد ، وقيل : الثأر وطلب المكافأة بجناية جنيت عليه من قتل
أو جرح ، ونحو ذلك .