وليس [ تناول ( 1 ) ] الميتة من رخص السفر أو متعلقا بالسفر بل هو من نتائج الضرورة سفرا كان
أو حضرا ، وهو كالافطار للعاصي المقيم إذا كان مريضا ، وكالتيمم للعاصي المسافر عند عدم
الماء . قال : وهو الصحيح عندنا .
قلت : واختلفت الروايات عن مالك في ذلك ، فالمشهور من مذهبه فيما ذكره الباجي
في المنتقى : أنه يجوز له الاكل في سفر المعصية ولا يجوز له القصر والفطر . وقال ابن
خويز منداد : فأما الاكل عند الاضطرار فالطائع والعاصي فيه سواء ، لان الميتة يجوز تناولها
في السفر والحضر ، وليس بخروج الخارج إلى المعاصي يسقط عنه حكم المقيم بل أسوأ حالة
من أن يكون مقيما ، وليس كذلك الفطر والقصر ، لأنهما رخصتان متعلقتان بالسفر . فمتى كان
السفر سفر معصية لم يجز أن يقصر فيه ، لأن هذه الرخصة تختص بالسفر ، ولذلك قلنا : إنه
يتيمم إذا عدم الماء في سفر المعصية ، لان التيمم في الحضر والسفر سواء . وكيف يجوز منعه
من أكل الميتة والتيمم لأجل معصية ارتكبها ، وفي تركه الاكل تلف نفسه ، وتلك أكبر
المعاصي ، وفي تركه التيمم إضاعة للصلاة . أيجوز أن يقال له : ارتكبت معصية فارتكب
أخرى ! أيجوز أن يقال لشارب الخمر : ازن ، وللزاني : أكفر ! أو يقال لهما : ضيعا الصلاة ؟
ذكر هذا كله في أحكام القرآن له ، ولم يذكر خلافا عن مالك ولا عن أحد من أصحابه .
وقال الباجي : " وروى زياد بن عبد الرحمن الأندلسي أن العاصي بسفره يقصر الصلاة ،
ويفطر في رمضان . فسوى بين ذلك كله ، وهو قول أبي حنيفة . ولا خلاف أنه لا يجوز له
قتل نفسه بالامساك عن الاكل ، وأنه مأمور بالاكل على وجه الوجوب ، ومن كان في سفر
معصية لا تسقط عنه الفروض والواجبات من الصيام والصلاة ، بل يلزمه الاتيان بها ،
فكذلك ما ذكرناه . وجه القول الأول أن هذه المعاني إنما أبيحت في الاسفار لحاجة الناس
إليها ، فلا يباح له أن يستعين بها على المعاصي وله سبيل إلى ألا يقتل نفسه . قال ابن حبيب :
وذلك بأن يتوب ثم يتناول لحم الميتة بعد توبته . وتعلق ابن حبيب في ذلك بقوله تعالى :
" فمن اضطر غير باغ ولا عاد " فاشترط في إباحة الميتة للضرورة ألا يكون باغيا . والمسافر
هامش
( 1 ) الزيادة عن كتاب " أحكام القرآن " للكيا الهراسى .