رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه فسأله ، فقال : ( هل عندك غنى يغنيك ) قال لا ، قال :
( فكلوها ) قال : فجاء صاحبها فأخبره الخبر ، فقال : هلا كنت نحرتها فقال : استحييت
منك . قال ابن خويز منداد : في هذا الحديث دليلان : أحدهما : أن المضطر يأكل من
الميتة وإن لم يخف التلف ، لأنه سأله عن الغنى ولم يسأله عن خوفه على نفسه . والثاني -
يأكل ويشبع ويدخر ويتزود ، لأنه أباحه الادخار ولم يشترط عليه ألا يشبع . قال أبو داود :
وحدثنا هارون بن عبد الله قال حدثنا الفضل بن دكين قال أنبأنا عقبة بن وهب بن عقبة
العامري قال : سمعت أبي يحدث عن الفجيع العامري أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال : ما يحل لنا الميتة ؟ قال : ( ما طعامكم ) قلنا : نغتبق ونصطبح . قال أبو نعيم ( 1 ) :
فسره لي عقبة : قدح غدوة وقدح عشية . قال : ( ذاك وأبي الجوع ) . قال : فأحل لهم الميتة
على هذه الحال . قال أبو داود : الغبوق من آخر النهار والصبوح من أول النهار . وقال
الخطابي : الغبوق العشاء ، والصبوح الغداء ، والقدح من اللبن بالغداة ، والقدح بالعشي يمسك
الرمق ويقيم النفس ، وإن كان لا يغذي البدن ولا يشبع الشبع التام ، وقد أباح لهم مع ذلك
تناول الميتة ، فكان دلالته أن تناول الميتة مباح إلى أن تأخذ النفس حاجتها من القوت .
وإلى هذا ذهب مالك وهو أحد قولي الشافعي . قال ابن خويز منداد : إذا جاز أن يصطبحوا
ويغتبقوا جاز أن يشبعوا ويتزودوا . وقال أبو حنيفة والشافعي في القول الآخر : لا يجوز له أن
يتناول من الميتة إلا قدر ما يمسك رمقه ، وإليه ذهب المزني . قالوا : لأنه لو كان في الابتداء
بهذه الحال لم يجز له أن يأكل منها شيئا ، فكذلك إذا بلغها بعد تناولها . وروى نحوه عن
الحسن . وقال قتادة : لا يتضلع منها بشئ . وقال مقاتل بن حيان : لا يزداد على ثلاث
لقم . والصحيح خلاف هذا ، كما تقدم .
التاسعة والعشرون - وأما التداوي بها فلا يخلو أن يحتاج إلى استعمالها قائمة العين أو محرقة ،
فإن تغيرت بالاحراق فقال ابن حبيب : يجوز التداوي بها والصلاة . وخففه ابن الماجشون
هامش
( 1 ) أبو نعيم : كنية الفضل بن دكين .