الفرض في ذلك بألا يكون هناك غيره قضى عليه بنرميق تلك المهجة الآدمية . وكان للممنوع منه
ماله من ذلك محاربة من منعه ومقاتلته ، وإن أتى ذلك على نفسه ، وذلك عند أهل العلم إذا
لم يكن هناك إلا واحد لا غير ، فحينئذ يتعين عليه الفرض . فإن كانوا كثيرا أو جماعة وعددا
كان ذلك عليهم فرضا على الكفاية . والماء في ذلك وغيره مما يرد نفس المسلم ويمسكها
سواء . إلا أنهم اختلفوا في وجوب قيمة ذلك الشئ على الذي ردت به مهجته ورمق به
نفسه ، فأوجبها موجبون ، وأباها آخرون ، وفي مذهبنا القولان جميعا . ولا خلاف بين أهل
العلم متأخريهم ومتقدميهم في وجوب رد مهجة المسلم عند خوف الذهاب والتلف بالشئ
اليسير الذي لا مضرة فيه على صاحبه وفيه البلغة .
الثالثة والعشرون - خرج ابن ماجة أنبأنا أبو بكر بن أبي شيبة أنبأنا شبابة ( ح 1 ) وحدثنا محمد
ابن بشار ومحمد بن الوليد قالا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي بشر جعفر بن إياس
قال : سمعت عباد بن شرحبيل - رجلا من بني غبر - قال : أصابنا عام مخمصة فأتيت المدينة
فأتيت حائطا ( 2 ) من حيطانها فأخذت سنبلا ففركته وأكلته وجعلته في كسائي ، فجاء صاحب
الحائط فضربني وأخذ ثوبي ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فقال للرجل :
( ما أطعمه إذ كان جائعا أو ساغبا ولا علمته إذ كان جاهلا ) فأمره النبي صلى الله عليه وسلم
فرد إليه ثوبه ، وأمر له بوسق من طعام أو نصف وسق .
قلت : هذا حديث صحيح اتفق على رجاله البخاري ومسلم ، إلا ابن أبي شيبة فإنه
لمسلم وحده . وعباد بن شرحبيل الغبري اليشكري لم يخرج له البخاري ومسلم شيئا ، وليس له
عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذه القصة فما ذكر أبو عمر رحمه الله ، وهو ينفي القطع
والأدب في المخمصة . وقد روى أبو داود عن الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال : ( إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه فإن أذن له فليحتلب وليشرب
وإن لم يكن فيها فليصوت ثلاثا فإن أجاب فليستأذنه فإن أذن له فليحتلب وليشرب
هامش
( 1 ) إذا كان للحديث إسنادان أو أكثر كتبوا عند الانتقال من إسناد إلى إسناد : " ح " وهي مأخوذة من
التحول . . . الخ . راجع كتب المصطلح .
( 2 ) الحائط : البستان من النخيل وغيره إذا كان عليه جدار .