فحرم المسفوح من الدم . وقد روت عائشة رضي الله عنها قالت : ( كنا نطبخ البرمة على عهد
رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلوها الصفرة من الدم فنأكل ولا ننكره ، لان التحفظ من
هذا إصر وفيه مشقة ، والإصر والمشقة في الدين موضوع . وهذا أصل في الشرع ، أن كلما
حرجت الأمة في أداء العبادة فيه وثقل عليها سقطت العبادة عنها فيه ، ألا ترى أن المضطر
يأكل الميتة ، وأن المريض يفطر ويتيمم في نحو ذلك .
قلت : ذكر الله سبحانه وتعالى الدم هاهنا مطلقا ، وقيده في الانعام بقوله " مسفوحا ( 1 ) "
وحمل العلماء هاهنا المطلق على المقيد إجماعا . فالدم هنا يراد به المسفوح ، لان ما خالط
اللحم فغير محرم بإجماع ، وكذلك الكبد والطحال مجمع عليه . وفي دم الحوت المزايل له اختلاف ،
وروي عن القابسي أنه طاهر ، ويلزم على طهارته أنه غير محرم . وهو اختيار ابن العربي ،
قال : لأنه لو كان دم السمك نجسا لشرعت ذكاته .
قلت : وهو مذهب أبي حنيفة في دم الحوت ، سمعت بعض الحنفية يقول : الدليل على
أنه طاهر أنه إذا يبس ابيض بخلاف سائر الدماء فإنه يسود . وهذه النكتة لهم في الاحتجاج
على الشافعية .
الخامسة عشرة - قوله تعالى : " ولحم الخنزير " خص الله تعالى ذكر اللحم من الخنزير
ليدل على تحريم عينه ذكى أو لم يذك ، وليعم الشحم وما هنالك من الغضاريف ( 2 ) وغيرها .
السادسة عشرة - أجمعت الأمة على تحريم شحم الخنزير . وقد استدل مالك وأصحابه
على أن من حلف ألا يأكل شحما فأكل لحما لم يحنث بأكل اللحم . فإن حلف ألا يأكل لحما
فأكل شحما حنث لان اللحم مع الشحم يقع عليه اسم اللحم ، فقد دخل الشحم في اسم اللحم
ولا يدخل اللحم في اسم الشحم . وقد حرم الله تعالى لحم الخنزير فناب ذكر لحمه عن شحمه ،
لأنه دخل تحت اسم اللحم . وحرم الله تعالى على بني إسرائيل الشحوم بقوله : " حرمنا عليهم
شحومهما " فلم يقع بهذا عليهم تحريم اللحم ولم يدخل في اسم الشحم ، فلهذا فرق مالك بين الحالف
هامش
( 1 ) راجع ج 7 ص 123 .
( 2 ) الغضروف والغرضوف : كل عظم لين رخص في أي موضع كان .