قلت : وهذا ثابت في صحيح البخاري ، على ما يأتي بيانه في سورة " إبراهيم ( 1 ) " .
التاسعة - ولا يجوز أن يطوف أحد بالبيت ولا بين الصفا والمروة راكبا إلا من عذر ،
فإن طاف معذورا فعليه دم ، وإن طاف غير معذور أعاد إن كان بحضرة البيت ، وإن غاب
عنه أهدى . إنما قلنا ذلك لان النبي صلى الله عليه وسلم طاف بنفسه وقال : ( خذوا عني
مناسككم ) . وإنما جوزنا ذلك من العذر ، لان النبي صلى الله عليه وسلم طاف على بعيره واستلم
الركن بمحجنه ( 2 ) ، وقال لعائشة وقد قالت له : إني أشتكي ، فقال : ( طوفي من وراء الناس
وأنت راكبة ) . وفرق أصحابنا بين أن يطوف على بعير أو يطوف على ظهر إنسان ، فإن طاف
على ظهر إنسان لم يجزه ، لأنه حينئذ لا يكون طائفا ، وإنما الطائف الحامل . وإذا طاف
على بعير يكون هو الطائف . قال ابن خويز منداد : وهذه تفرقة اختيار ، وأما الاجزاء فيجزئ ،
ألا ترى أنه لو أغمي عليه فطيف به محمولا ، أو وقف به بعرفات محمولا كان مجزئا عنه .
قوله تعالى : إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى
من بعد ما بينه للناس في الكتب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم
اللاعنون ( 159 ) .
فيه سبع مسائل :
الأولى - أخبر الله تعالى أن الذي يكتم ما أنزل من البينات والهدى ملعون . واختلفوا
من المراد بذلك ، فقيل : أحبار اليهود ورهبان النصارى الذين كتموا أمر محمد صلى الله عليه
وسلم ، وقد كتم اليهود أمر الرجم . وقيل : المراد كل من كتم الحق ، فهي عامة في كل من
كتم علما من دين الله يحتاج إلى بثه ، وذلك مفسر في قوله صلى الله عليه وسلم : ( من سئل عن
علم [ يعلمه ( 3 ) ] فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار ) . رواه أبو هريرة وعمرو بن العاص ،
أخرجه ابن ماجة . ويعارضه قول عبد الله بن مسعود : ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه
عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة . وقال عليه السلام : ( حدث الناس بما يفهمون أتحبون أن
هامش
( 1 ) راجع ج 9 ص 368 .
( 2 ) المحجن : عصا معوجة الرأس يتناول بها الراكب ما سقط له .
( 3 ) الزيادة عن سنن ابن ماجة .