يكذب الله ورسوله ) . وهذا محمول على بعض العلوم ، كعلم الكلام أو ما لا يستوي في فهمه
جميع العوام ، فحكم العالم أن يحدث بما يفهم عنه ، وينزل كل إنسان منزلته ، والله تعالى أعلم .
الثانية - هذه الآية هي التي أراد أبو هريرة رضي الله عنه في قوله : لولا ( 1 ) آية
في كتاب الله تعالى ما حدثتكم حديثا . وبها استدل العلماء على وجوب تبليغ العلم الحق ، وتبيان
العلم على الجملة ، دون أخذ الأجرة عليه ، إذ لا يستحق الأجرة على ما عليه فعله ، كما لا يستحق الأجرة
على الاسلام . وقد مضى القول ( 2 ) في هذا .
وتحقيق الآية هو : أن العالم إذا قصد كتمان العلم عصى ، وإذا لم يقصده لم يلزمه التبليغ
إذا عرف أنه مع غيره . وأما من سئل فقد وجب عليه التبليغ لهذه الآية وللحديث . أما أنه
لا يجوز تعليم الكافر القرآن والعلم حتى يسلم ، وكذلك لا يجوز تعليم المبتدع الجدال والحجاج
ليجادل به أهل الحق ، ولا يعلم الخصم على خصمه حجة يقطع بها ماله ، ولا السلطان تأويلا
يتطرق به إلى مكاره الرعية ، ولا ينشر الرخص في السفهاء فيجعلوا ذلك طريقا إلى ارتكاب
المحظورات ، وترك الواجبات ونحو ذلك . يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
( لا تمنعوا الحكمة أهلها فتظلموهم ولا تضعوها في غير أهلها فتظلموها ) . وروي عنه صلى الله
عليه وسلم أنه قال : ( لا تعلقوا الدر في أعناق الخنازير ) ، يريد تعليم الفقه من ليس من
أهله . وقد قال سحنون : إن حديث أبي هريرة وعمرو بن العاص إنما جاء في الشهادة . قال
ابن العربي : والصحيح خلافه ، لان في الحديث ( من سئل عن علم ) ولم يقل عن شهادة ،
والبقاء على الظاهر حتى يرد عليه ما يزيله ، والله أعلم .
الثالثة - قوله تعالى : " من البينات والهدى " يعم المنصوص عليه والمستنبط ،
لشمول اسم الهدى للجميع . وفيه دليل على وجوب العمل بقول الواحد ، لأنه لا يجب عليه
البيان إلا وقد وجب قبول قوله ، وقال : " إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا " فحكم بوقوع
البيان بخبرهم .
هامش
( 1 ) الذي في صحيح البخاري وسنن ابن ماجة : " لولا آيتان " .
( 2 ) تراجع المسألة الثانية ج 1 ص 335 طبعة ثانية .