قال : فتزعمون أنه كاهن فهل رأيتموه تكهن قط ، ولقد رأينا للكهنة أسجاعا وتخالجا فهل ( 1 )
رأيتموه كذلك ؟ قالوا : لا والله . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسمى الصادق الأمين من
كثرة صدقه . فقالت قريش للوليد : فما هو ؟ ففكر في نفسه ، ثم نظر ، ثم عبس ، فقال :
ما هو إلا ساحر ! أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه ؟ ! فذلك قوله تعالى :
" إنه فكر " أي في أمر محمد والقرآن " وقدر " في نفسه ماذا يمكنه أن يقول فيهما . " فقتل "
أي لعن . وكان بعض أهل التأويل يقول : معناها فقهر وغلب ، وكل مذلل مقتل ،
قال الشاعر ( 2 )
وما ذرفت عيناك إلا لتقدحي * بسهميك في أعشار قلب مقتل
وقال الزهري : عذب ، وهو من باب الدعاء . " كيف قدر " قال ناس : " كيف " تعجيب ،
كما يقال للرجل تتعجب من صنيعه : كيف فعلت هذا ؟ وذلك كقوله : " انظر كيف
ضربوا لك الأمثال " [ الاسراء : 48 ] . " ثم قتل " أي لعن لعنا بعد لعن . وقيل : فقتل بضرب من
العقوبة ، ثم قتل بضرب آخر من العقوبة " كيف قدر " أي على أي حال قدر . ( ثم نظر )
بأي شئ يرد الحق ويدفعه . ( ثم عبس ) أي قطب بين عينيه في وجوه المؤمنين ، وذلك
أنه لما حمل قريشا على ما حملهم عليه من القول في محمد صلى الله عليه وسلم بأنه ساحر ، مر
على جماعة من المسلمين ، فدعوه إلى الاسلام ، فعبس في وجوههم . . قيل : عبس وبسر على
النبي صلى الله عليه وسلم حين دعاه . والعبس مخففا ( 3 ) مصدر عبس يعبس عبسا وعبوسا : إذا
قطب . والعبس ما يتعلق بأذناب الإبل من أبعارها وأبوالها قال أبو النجم :
كأن في أذنابهن الشول * من عبس الصيف قرون الأيل
( وبسر ) أي كلح وجهه وتغير لونه ، قاله قتادة والسدي ، ومنه قول بشر بن أبي خازم :
صبحنا تميما غداة الجفار ( 4 ) * بشهباء ملمومة باسره
هامش
( 1 ) تخلج المجنون في مشيته : تجاذب يمينا وشمالا .
( 2 ) هو امرؤ القيس .
( 3 ) كلمة : ( مخففا ) ساقطة من الأصل المطبوع .
( 4 ) الجفار : موضع . وقيل هو ماء لبني تميم .