يكلف صعودها فإذا صار في أعلاها حدر في جهنم ، فيقوم يهوي ألف عام من قبل أن يبلغ قرار
جهنم ، يحترق في كل يوم سبعين مرة ثم يعاد خلقا جديدا . وقال ابن عباس : المعنى سأكلفه
مشقة من العذاب لا راحة له فيه . ونحوه عن الحسن وقتادة . وقيل : إنه تصاعد نفسه
للنزع وإن لم يتعقبه موت ، ليعذب من داخل جسده كما يعذب من خارجه .
قوله تعالى : إنه فكر وقدر ( 18 ) فقتل كيف قدر ( 19 ) ثم قتل
كيف قدر ( 20 ) ثم نظر ( 21 ) ثم عبس وبسر ( 22 ) ثم أدبر واستكبر ( 23 )
فقال إن هذا إلا سحر يؤثر ( 24 ) إن هذا إلا قول البشر ( 25 )
قوله تعالى : ( إنه فكر وقدر ) يعني الوليد فكر في شأن النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن
و " قدر " أي هيأ الكلام في نفسه ، والعرب تقول : قدرت الشئ إذا هيأته ، وذلك
أنه لما نزل : " حم . تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم " [ غافر : 1 ] إلى قوله : " إليه المصير " سمعه
الوليد يقرؤها فقال : والله لقد سمعت منه كلاما ما هو من كلام الانس ولا من كلام الجن ،
وإن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر ، وإن أسفله لمغدق ، وإنه ليعلو
ولا يعلى عليه ، وما يقول هذا بشر . فقالت قريش : صبا الوليد لتصبون قريش كلها . وكان
يقال للوليد ريحانة قريش ، فقال أبو جهل : أنا أكفيكموه . فمضى إليه حزينا ؟ فقال له : مالي
أراك حزينا . فقال له : ومالي لا أحزن وهذه قريش يجمعون لك نفقة يعينونك بها على كبر سنك
ويزعمون أنك زينت كلام محمد ، وتدخل على ابن أبي كبشة وابن أبي قحافة لتنال من فضل
طعامهما ، فغضب الوليد وتكبر ، وقال : أنا أحتاج إلى كسر محمد وصاحبه ، فأنتم تعرفون قدر
مالي ، واللات والعزى ما بي حاجة إلى ذلك ، وإنما أنتم تزعمون أن محمدا مجنون ، فهل رأيتموه
قط يخنق ؟ قالوا : لا والله ، قال : وتزعمون أنه شاعر ، فهل رأيتموه نطق بشعر
قط ؟ قالوا : لا والله . قال : فتزعمون أنه كذاب فهل جربتم عليه كذبا قط ؟ قالوا : لا والله .
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 74
مساهمون: مصطفى السقا
ص٧٤