داوم عليه حتى خرج من الدنيا فهذا هو السابق المقرب ، ورجل ابتكر عمره بالذنوب ثم طول
الغفلة ثم رجع بتوبته حتى ختم له بها فهذا من أصحاب اليمين ، ورجل ابتكر عمره بالذنوب
ثم لم يزل عليها حتى ختم له بها فهذا من أصحاب الشمال . وقيل : هم كل من سبق إلى شئ
من أشياء الصلاح . ثم قيل : ( السابقون ) رفع بالابتداء والثاني توكيد له والخبر
( أولئك المقربون ) . وقال الزجاج : ( السابقون ) رفع بالابتداء والثاني خبره ، والمعنى
السابقون إلى طاعة الله هم السابقون إلى رحمة الله ( أولئك المقربون ) من صفتهم . وقيل :
إذا خرج رجل من السابقين المقربين من منزله في الجنة كان له ضوء يعرفه به من دونه .
قوله تعالى : ثلة من الأولين ( 13 ) وقليل من الآخرين ( 14 )
على سرر موضونة ( 15 ) متكئين عليها متقابلين ( 16 )
قوله تعالى : ( ثلة من الأولين ) أي جماعة من الأمم الماضية . ( وقليل من الآخرين )
أي ممن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم . قال الحسن : ثلة ممن قد مضى قبل هذه الأمة ،
وقليل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، اللهم اجعلنا منهم بكرمك . وسموا قليلا بالإضافة
إلى من كان قبلهم ، لان الأنبياء المتقدمين كثروا فكثر السابقون إلى الايمان منهم ، فزادوا
على عدد من سبق إلى التصديق من أمتنا . وقيل : لما نزل هذا شق على أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم فنزلت : ( ثلة من الأولين . وثلة من الآخرين ) فقال النبي صلى الله عليه
وسلم : ( إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة بل ثلث أهل الجنة بل نصف أهل الجنة
وتقاسمونهم في النصف الثاني ) رواه أبو هريرة ، ذكره الماوردي وغيره . ومعناه ثابت
في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن مسعود . وكأنه أراد أنها منسوخة والأشبه أنها محكمة
لأنها خبر ، ولأن ذلك في جماعتين مختلفتين . قال الحسن : سابقو من مضي أكثر من
سابقينا ، فلذلك قال : ( وقليل من الآخرين ) وقال في أصحاب اليمين وهم سوى السابقين :
( ثلة من الأولين . وثلة من الآخرين ) ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إني لأرجو
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 200
مساهمون: القرطبي
ص٢٠٠