تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 327

مساهمون:

ص٣٢٧
معه تلك الأعمال . ولعل من رأينا عليه تفريطا أو معصية يعلم الله من قلبه وصفا محمودا يغفر له بسببه . فالأعمال أمارات ظنية لا أدلة قطعية . ويترتب عليها عدم الغلو في تعظيم من رأينا عليه أفعالا صالحة ، وعدم الاحتقار لمسلم رأينا عليه أفعالا سيئة . بل تحتقر وتذم تلك الحالة السيئة ، لا تلك الذات المسيئة . فتدبر هذا ، فإنه نظر دقيق ، وبالله التوفيق . قوله تعالى : " ولا تلمزوا أنفسكم " فيه ثلاث مسائل : قوله تعالى : " ولا تلمزوا أنفسكم " اللمز : العيب ، وقد مضى في " براءة " عند قوله تعالى : " ومنهم من يلمزك في الصدقات " ( 1 ) [ التوبة : 58 ] . وقال الطبري اللمز باليد والعين واللسان والإشارة . والهمز لا يكون إلا باللسان . وهذه الآية مثل قوله تعالى : " ولا تقتلوا أنفسكم " ( 2 ) [ النساء : 29 ] أي لا يقتل بعضكم بعضا ، لان المؤمنين كنفس واحدة ، فكأنه بقتل أخيه قاتل نفسه . وكقوله تعالى : " فسلموا على أنفسكم " ( 3 ) [ النور : 61 ] يعني يسلم بعضكم على بعض . والمعنى : لا يعب بعضكم بعضا . وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير : لا يطعن بعضكم على بعض . وقال الضحاك : لا يلعن بعضكم بعضا . وقرئ : " ولا تلمزوا " بالضم . وفي قوله " أنفسكم " تنبيه على أن العاقل لا يعيب نفسه ، فلا ينبغي أن يعيب غيره لأنه كنفسه ، قال صلى الله عليه وسلم : [ المؤمنون كجسد واحد إن اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ] . وقال بكر بن عبد الله المزني : إذا أردت أن تنظر العيوب جمة فتأمل عيابا ، فإنه إنما يعيب الناس بفضل ما فيه من العيب . وقال صلى الله عليه وسلم : [ يبصر أحدكم القذاة ( 4 ) في عين أخيه ويدع الجذع في عينه ] وقيل : من سعادة المرء أن يشتغل بعيوب نفسه عن عيوب غيره . قال الشاعر : المرء إن كان عاقلا ورعا * أشغله عن عيوبه ورعه كما السقيم المريض يشغله * عن وجع الناس كلهم وجعه
هامش
( 1 ) راجع ج 8 ص 166 . ( 2 ) آية 29 سورة النساء . ( 3 ) آية 61 سورة النور . ( 4 ) القذاة : هو ما يقع في العين والماء والتراب من تراب أو تبن أو وسخ أو غير ذلك .