تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 325

مساهمون:

ص٣٢٥
فربض كل رجل منهم بمجلسه ، وعضوا ( 1 ) فيه فلا يكاد يوسع أحد لاحد حتى يظل الرجل لا يجد مجلسا فيظل قائما ، فلما انصرف ثابت من الصلاة تخطى رقاب الناس ويقول : تفسحوا تفسحوا ، ففسحوا له حتى انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبينه وبينه رجل فقال له : تفسح . فقال له الرجل : قد وجدت مجلسا فأجلس ! فجلس ثابت من خلفه مغضبا ، ثم قال : من هذا ؟ قالوا فلان ، فقال ثابت : ابن فلانة ! يعيره بها ، يعني أما له في الجاهلية ، فاستحيا الرجل ، فنزلت . وقال الضحاك : نزلت في وفد بني تميم الذي تقدم ذكرهم في أول " السورة " استهزءوا بفقراء الصحابة ، مثل عمار وخباب وابن فهيرة وبلال وصهيب وسلمان وسالم مولى أبي حذيفة وغيرهم ، لما رأوا من رثاثة حالهم ، فنزلت في الذين آمنوا منهم . وقال مجاهد : هو سخرية الغني من الفقير . وقال ابن زيد : لا يسخر من ستر الله عليه ذنوبه ممن كشفه الله ، فلعل إظهار ذنوبه في الدنيا خير له في الآخرة . وقيل : نزلت في عكرمة بن أبي جهل حين قدم المدينة مسلما ، وكان المسلمون إذا رأوه قالوا ابن فرعون هذه الأمة . فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت . وبالجملة فينبغي ألا يجترئ أحد على الاستهزاء بمن يقتحمه بعينه إذا رآه رث الحال أو ذا عاهة في بدنه أو غير لبيق ( 2 ) في محادثته ، فلعله أخلص ضميرا وأنقى قلبا ممن هو على ضد صفته ، فيظلم نفسه بتحقير من وقره الله ، والاستهزاء بمن عظمه الله . ولقد بلغ بالسلف إفراط توقيهم وتصونهم من ذلك أن قال عمرو بن شرحبيل : لو رأيت رجلا يرضع عنزا فضحكت منه لخشيت أصنع مثل الذي صنع . وعن عبد الله بن مسعود : البلاء موكل بالقول ، لو سخرت من كلب لخشيت أن أحول كلبا . و " قوم " في اللغة للمذكرين خاصة . قال زهير : وما أدري وسوف إخال أدري * أقوم آل حصن أم نساء وسموا قوما لأنهم يقومون مع داعيهم في الشدائد . وقيل : إنه جمع قائم ، ثم استعمل في كل جماعة وإن لم يكونوا قائمين . وقد يدخل في القوم النساء مجازا ، وقد مضى في " البقرة " ( 3 ) بيانه .
هامش
( 1 ) عض فلان الشئ : لزمه واستمسك به . ( 2 ) رجل لبق ولبيق : حاذق رفيق بكل عمل . ( 3 ) راجع ج 1 ص 400 طبعة ثانية أو ثالثة .