فسلمني منه . فأدخلت على الرشيد وهو جالس على كرسي من ذهب ، حاسر عن ذراعيه ،
بيده السيف وبين يديه النطع ( 1 ) ، فلما بصر بي قال لي : يا عمر بن حبيب ما تلقاني [ أحد ] ( 2 )
من الرد والدفع [ لقولي بمثل ] ( 2 ) ما تلقيتني به فقلت : يا أمير المؤمنين ، إن الذي قلته وجادلت
عنه فيه ازدراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم [ وعلى ما جاء به ] ( 2 ) ، إذا كان أصحابه كذابين
فالشريعة باطلة ، والفرائض والاحكام في الصيام والصلاة والطلاق والنكاح والحدود كله
مردود غير مقبول ، فرجع إلى نفسه ثم قال : أحييتني يا عمر بن حبيب أحياك الله ! وأمر
لي بعشرة آلاف درهم .
قلت : فالصحابة كلهم عدول ، أولياء الله تعالى وأصفياؤه ، وخيرته من خلقه بعد أنبيائه
ورسله . هذا مذهب أهل السنة ، والذي عليه الجماعة من أئمة هذه الأمة . وقد ذهبت
شرذمة لا مبالاة بهم إلى أن حال الصحابة كحال غيرهم ، فيلزم البحث عن عدالتهم . ومنهم
من فرق بين حالهم في بداءة الامر فقال : إنهم كانوا على العدالة إذ ذاك ، ثم تغيرت
بهم الأحوال فظهرت فيهم الحروب وسفك الدماء ، فلا بد من البحث . وهذا مردود ، فإن
خيار الصحابة وفضلاءهم كعلي وطلحة والزبير وغيرهم رضي الله عنهم ممن أثنى الله عليهم
وزكاهم ورضي عنهم وأرضاهم ووعدهم الجنة بقوله تعالى " مغفرة وأجرا عظيما " . وخاصة
العشرة المقطوع لهم بالجنة بإخبار الرسول هم القدوة مع علمهم بكثير من الفتن والأمور
الجارية عليهم بعد نبيهم بإخباره لهم بذلك . وذلك غير مسقط من مرتبتهم وفضلهم ، إذ كانت
تلك الأمور مبنية على الاجتهاد ، وكل مجتهد مصيب . وسيأتي الكلام في تلك الأمور في سورة
" الحجرات " مبينة إن شاء الله تعالى .
هامش
( 1 ) النطع ( بالكسر ) : بساط من الأديم .
( 2 ) زيادة عن كتاب تاريخ بغداد في ترجمة عمر بن حبيب .