مجنسة ، مثل قوله تعالى : " فاجتنبوا الرجس من الأوثان " ( 1 ) [ الحج : 30 ] لا يقصد للتبعيض لكنه
يذهب إلى الجنس ، أي فاجتنبوا الرجس من جنس الأوثان ، إذ كان الرجس يقع من
أجناس شتى ، منها الزنى والربا وشرب الخمر والكذب ، فأدخل " من " يفيد بها الجنس
وكذا " منهم " ، أي من هذا الجنس ، يعني جنس الصحابة . ويقال : أنفق نفقتك
من الدراهم ، أي اجعل نفقتك هذا الجنس . وقد يخصص أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم
بوعد المغفرة تفضيلا لهم ، وإن وعد الله جميع المؤمنين المغفرة . وفي الآية جواب آخر :
وهو أن " من " مؤكدة للكلام ، والمعنى وعدهم الله كلهم مغفرة وأجرا عظيما . فجرى مجرى
[ قول ] العربي : قطعت من الثوب قميصا ، يريد قطعت الثوب كله قميصا . و " من "
لم يبعض شيئا . وشاهد هذا من القرآن " وننزل من القرآن ما هو شفاء " ( 2 ) [ الاسراء : 82 ] معناه وننزل القرآن
شفاء ، لان كل حرف منه يشفي ، وليس الشفاء مختصا به بعضه دون بعض . على أن من
اللغويين من يقول " من " مجنسة ، تقديرها ننزل الشفاء من جنس القرآن ، ومن جهة
القرآن ، ومن ناحية القرآن . قال زهير :
* أمن أم أوفى دمنة لم تكلم ( 3 ) *
أراد من ناحية أم أوفى دمنة ، أم من منازلها دمنة . وقال الآخر :
أخو رغائب يعطيها ويسألها * يأبى الظلامة منه النوفل الزفر ( 4 )
ف " من " لم تبعض شيئا ، إذ كان المقصد يأبى الظلامة لأنه نوفل زفر . والنوفل : الكثير
العطاء . والزفر : حامل الأثقال والمؤن عن الناس .
الخامسة - روى أبو عروة الزبيري من ولد الزبير : كنا عند مالك بن أنس ،
فذكروا رجلا ينتقص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقرأ مالك هذه الآية " محمد
هامش
( 1 ) آية 30 سورة الحج .
( 2 ) آية 82 سورة الإسراء .
( 3 ) الدمنة : آثار الناس وما سودوا
بالرماد . لم تكلم : لم تبين ، والعرب تقول لكل ما بين من أثر وغيره : تكلم ، أي ميز ، فصار بمنزلة المتكلم .
( 4 ) البيت لأعشى باهلة .