تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
أن ذلك على جهة التقدير والتمثيل المفهم للاعياء وشدة الاعتناء . فكأنه قال : لو كانت الرحم ممن يعقل ويتكلم لقالت هذا الكلام ، كما قال تعالى : " لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله - ثم قال - وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون " ( 1 ) . وقوله : [ فقالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة ] مقصود هذا الكلام الاخبار بتأكد أمر صلة الرحم ، وأن الله سبحانه قد نزلها بمنزلة من استجار به فأجاره ، وأدخله في ذمته وخفارته ( 2 ) وإذا كان كذلك فجار الله غير مخذول وعهده غير منقوض . ولذلك قال مخاطبا للرحم : [ أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك ] . وهذا كما قال عليه السلام : [ ومن صلى الصبح فهو في ذمة الله تعالى فلا يطلبنكم الله من ذمته بشئ فإنه من يطلبه بذمته بشئ يدركه ثم يكبه في النار على وجهه ] . قوله تعالى : إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم ( 25 ) قال قتادة : هم كفار أهل الكتاب ، كفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد ما عرفوا نعته عندهم ، قاله ابن جريج . وقال ابن عباس والضحاك والسدي : هم المنافقون ، قعدوا عن القتال بعد ما علموه في القرآن . " الشيطان سول لهم " أي زين لهم خطاياهم ، قاله الحسن . " وأملى لهم " أي مد لهم الشيطان في الامل ووعدهم طول العمر ، عن الحسن أيضا . وقال : إن الذي أملى لهم في الامل ومد في آجالهم هو الله عز وجل ، قاله الفراء والمفضل . وقال الكلبي ومقاتل : إن معنى " أملى لهم " أمهلهم ، فعلى هذا يكون الله تعالى أملى لهم بالامهال في عذابهم . وقرأ أبو عمرو وابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر وأبو جعفر وشيبة " وأملي لهم " بضم الهمزة وكسر اللام وفتح الياء ، على ما لم يسم فاعله . وكذلك قرأ ابن هرمز ومجاهد والجحدري ويعقوب ، إلا أنهم سكنوا الياء على وجه الخبر من الله تعالى عن نفسه أنه يفعل ذلك بهم ، كأنه قال : وأنا أملي لهم . واختاره أبو حاتم ، قال : لان فتح الهمزة يوهم أن الشيطان
هامش
( 1 ) آية 21 سورة الحشر . ( 2 ) الخفارة ( بالضم والكسر ) : الذمام .