أن ذلك على جهة التقدير والتمثيل المفهم للاعياء وشدة الاعتناء . فكأنه قال : لو كانت الرحم
ممن يعقل ويتكلم لقالت هذا الكلام ، كما قال تعالى : " لو أنزلنا هذا القرآن على جبل
لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله - ثم قال - وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم
يتفكرون " ( 1 ) . وقوله : [ فقالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة ] مقصود هذا الكلام
الاخبار بتأكد أمر صلة الرحم ، وأن الله سبحانه قد نزلها بمنزلة من استجار به فأجاره ،
وأدخله في ذمته وخفارته ( 2 ) وإذا كان كذلك فجار الله غير مخذول وعهده غير منقوض .
ولذلك قال مخاطبا للرحم : [ أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك ] . وهذا
كما قال عليه السلام : [ ومن صلى الصبح فهو في ذمة الله تعالى فلا يطلبنكم الله من ذمته
بشئ فإنه من يطلبه بذمته بشئ يدركه ثم يكبه في النار على وجهه ] .
قوله تعالى : إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم
الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم ( 25 )
قال قتادة : هم كفار أهل الكتاب ، كفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد ما عرفوا
نعته عندهم ، قاله ابن جريج . وقال ابن عباس والضحاك والسدي : هم المنافقون ، قعدوا
عن القتال بعد ما علموه في القرآن . " الشيطان سول لهم " أي زين لهم خطاياهم ، قاله الحسن .
" وأملى لهم " أي مد لهم الشيطان في الامل ووعدهم طول العمر ، عن الحسن أيضا . وقال :
إن الذي أملى لهم في الامل ومد في آجالهم هو الله عز وجل ، قاله الفراء والمفضل . وقال
الكلبي ومقاتل : إن معنى " أملى لهم " أمهلهم ، فعلى هذا يكون الله تعالى أملى لهم بالامهال
في عذابهم . وقرأ أبو عمرو وابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر وأبو جعفر وشيبة " وأملي لهم "
بضم الهمزة وكسر اللام وفتح الياء ، على ما لم يسم فاعله . وكذلك قرأ ابن هرمز ومجاهد
والجحدري ويعقوب ، إلا أنهم سكنوا الياء على وجه الخبر من الله تعالى عن نفسه أنه يفعل
ذلك بهم ، كأنه قال : وأنا أملي لهم . واختاره أبو حاتم ، قال : لان فتح الهمزة يوهم أن الشيطان
هامش
( 1 ) آية 21 سورة الحشر .
( 2 ) الخفارة ( بالضم والكسر ) : الذمام .