تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
وقال أبو عبيد : ناظرت بعض الملحدة فقال : ألا تراه يقول : " فإن الله هو الدهر " ! ؟ فقلت : وهل كان أحد يسب الله في آباد الدهر ، بل كانوا يقولون كما قال الأعشى : إن محلا وإن مرتحلا * وإن في السفر إذ مضوا مهلا استأثر الله بالوفاء وبالعد * ل وولى الملامة الرجلا قال أبو عبيد : ومن شأن العرب أن يذموا الدهر عند المصائب والنوائب ، حتى ذكروه في أشعارهم ، ونسبوا الاحداث إليه . قال عمرو بن قميئة : رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى * فكيف بمن يرمى وليس برام فلو أنها نبل إذا لاتقيتها * ولكنني أرمى بغير سهام على الراحتين مرة وعلى العصا * أنوء ثلاثا بعدهن قيامي ومثله كثير في الشعر . ينسبون ذلك إلى الدهر ويضيفونه إليه ، والله سبحانه الفاعل لا رب سواه . " وما لهم بذلك من علم " . أي علم . و " من " زائدة ، أي قالوا ما قالوا شاكين . " إن هم إلا يظنون " أي ما هم إلا يتكلمون بالظن . وكان المشركون أصنافا ، منهم هؤلاء ، ومنهم من كان يثبت الصانع وينكر البعث ، ومنهم من كان يشك في البعث ولا يقطع بإنكاره . وحدث في الاسلام أقوام ليس يمكنهم إنكار البعث خوفا من المسلمين ، فيتأولون ويرون القيامة موت البدن ، ويرون الثواب والعقاب إلى خيالات تقع للأرواح بزعمهم ، فشر هؤلاء أضر من شر جميع الكفار ، لان هؤلاء يلبسون على الحق ، ويغتر بتلبيسهم الظاهر . والمشرك المجاهر بشركه يحذره المسلم . وقيل : نموت وتحيا آثارنا ، فهذه حياة الذكر . وقيل أشاروا إلى التناسخ ، أي يموت الرجل فتجعل روحه في موات فتحيا به . قوله تعالى : وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين ( 25 ) قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون ( 26 )