قولهم : " إنا مؤمنون " بعد ظهور العذاب غدا أو بعد ظهور أعلام الساعة ، فقد صارت
المعارف ضرورية . وهذا إذا جعلت الدخان آية مرتقبة . " وقالوا معلم مجنون " أي علمه
بشر أو علمه الكهنة والشياطين ، ثم هو مجنون وليس برسول .
قوله تعالى : إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون ( 15 )
قوله تعالى : " إنا كاشفوا العذاب قليلا " أي وقتا قليلا ، وعد أن يكشف عنهم ذلك
العذاب قليلا ، أي في زمان قليل ليعلم أنهم لا يفون بقولهم ، بل يعودون إلى الكفر بعد
كشفه ، قاله ابن مسعود . فلما كشف ذلك عنهم باستسقاء النبي صلى لهم الله عليه وسلم عادوا
إلى تكذيبه . ومن قال : إن الدخان منتظر قال : أشار بهذا إلى ما يكون من الفرجة بين آية
وآية من آيات قيام الساعة . ثم من قضي عليه بالكفر يستمر على كفره . ومن قال هذا
في القيامة قال : أي لو كشفنا عنكم العذاب لعدتم إلى الكفر . وقيل : معنى " إنكم عائدون "
إلينا ، أي مبعوثون بعد الموت . وقيل : المعنى " إنكم عائدون " إلى نار جهنم إن لم تؤمنوا .
قوله تعالى : يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون ( 16 )
" يوم " محمول على ما دل عليه " منتقمون " ، أي ننتقم منهم يوم نبطش . وأبعده بعض
النحويين بسبب أن ما بعد " إن " لا يفسر ما قبلها . وقيل : إن العامل فيه " منتقمون " .
وهو بعيد أيضا ، لان ما بعد " إن " لا يعمل فيما قبلها . ولا يحسن تعلقه بقوله : " عائدون "
ولا بقوله : " إنا كاشفوا العذاب " ، إذ ليس المعنى عليه . ويجوز نصبه بإضمار فعل ، كأنه
قال : ذكرهم أو أذكر . ويجوز أن يكون المعنى إنكم عائدون ، فإذا عدتم أنتقم منكم يوم
نبطش البطشة الكبرى . ولهذا وصل هذا بقصة فرعون ، فإنهم وعدوا موسى الايمان إن
كشف عنهم العذاب ، ثم لم يؤمنوا حتى غرقوا . وقيل : " إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم
عائدون " كلام تام . ثم ابتدأ " يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون " أي ننتقم من
جميع الكفار . وقيل : المعنى وارتقب الدخان وارتقب يوم نبطش ، فحذف واو العطف ،
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 133
مساهمون: القرطبي
ص١٣٣