الناس من رحمة الله ، ولم يرخص لهم في معاصي الله تعالى ، ولم يؤمنهم من عذاب الله ،
ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره ، إنه لا خير في عبادة لا علم فيها ، ولا علم لا فقه فيه ،
ولا قراءة لا تدبر فيها . وأسند الدارمي أبو محمد عن مكحول قال : قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : ( إن فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم ثم تلا هذه الآية - إنما يخشى الله
من عباده العلماء . إن الله وملائكته وأهل سماواته وأهل أرضيه والنون في البحر يصلون
على الذين يعلمون الناس الخير " الخبر مرسل . قال الدارمي : وحدثني أبو النعمان حدثنا حماد
ابن زيد عن يزيد بن حازم قال حدثني عمي جرير بن زيد ( 1 ) أنه سمع تبيعا يحدث عن كعب قال :
إني لأجد نعت قوم يتعلمون لغير العمل ، ويتفقهون لغير العبادة ، ويطلبون الدنيا بعمل
الآخرة ، ويلبسون جلود الضأن ، قلوبهم أمر من الصبر ، فبي يغترون ، وإياي يخادعون ،
فبي حلفت لأتيحن لهم فتنة تذر الحليم فيهم حيران . خرجه الترمذي مرفوعا من حديث
أبي الدرداء وقد كتبناه في مقدمة الكتاب ( 2 ) . الزمخشري : فإن قلت : فما وجه قراءة من قرأ
" إنما يخشى الله " بالرفع " من عباده العلماء " بالنصب ، وهو عمر بن عبد العزيز . وتحكى
عن أبي حنيفة . قلت : الخشية في هذه القراءة استعارة ، والمعنى : إنما يجلهم ويعظمهم
كما يجل المهيب المخشي من الرجال بين الناس من بين جميع عباده . ( إن الله عزيز غفور )
تعليل لوجوب الخشية ، لدلالته على عقوبة العصاة وقهرهم ، وإثابة أهل الطاعة والعفو
عنهم . والمعاقب والمثيب حقه أن يخشى .
قوله تعالى : إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا
مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور ( 29 ) ليوفيهم
أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور ( 30 )
هامش
( 1 ) في الأصول : ( جرير بن يزيد ) وهو تحريف راجع تهذيب التهذيب وسنن الدارمي .
( 2 ) راجع ج 1 ص 19 فما بعد .