تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠
ولخوف الطريق ، فإذا وجد الزاد والامن لم يحمل على نفسه المشقة ونزل أينما أراد . ( سيروا فيها ) أي وقلنا لهم سيروا فيها ، أي في هذه المسافة فهو أمر تمكين ، أي كانوا يسيرون فيها إلى مقاصدهم إذا أرادوا آمنين ، فهو أمر بمعنى الخبر ، وفيه إضمار القول . ( ليالي وأياما ) ظرفان " آمنين " نصب على الحال . وقال : " ليالي وأياما " بلفظ النكرة تنبيها على قصر أسفارهم ، أي كانوا لا يحتاجون إلى طول السفر لوجود ما يحتاجون إليه . قال قتادة : كانوا يسيرون غير خائفين ولا جياع ولا ظماء ، وكانوا يسيرون مسيرة أربعة أشهر في أمان لا يحرك بعضهم بعضا ، ولو لقي الرجل قاتل أبيه لا يحركه . قوله تعالى : فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ( 19 ) قوله تعالى : ( فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا ) لما بطروا وطغوا وسئموا الراحة ولم يصبروا على العافية تمنوا طول الاسفار والكدح في المعيشة ، كقول بني إسرائيل : " فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها " ( 1 ) [ البقرة : 61 ] الآية . وكالنضر بن الحارث حين قال : " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء " ( 2 ) [ الأنفال : 32 ] فأجابه الله تبارك وتعالى ، وقتل يوم بدر بالسيف صبرا ( 3 ) ، فكذلك هؤلاء تبددوا في الدنيا ومزقوا كل ممزق ، وجعل بينهم وبين الشام فلوات ومفاوز يركبون فيها الرواحل ويتزودون الأزواد . وقراءة العامة " ربنا " بالنصب على أنه نداء مضاف ، وهو منصوب لأنه مفعول به ، لان معناه : ناديت ودعوت . " باعد " سألوا المباعدة في أسفارهم . وقرأ أبن كثير وأبو عمرو وأبن محيصن وهشام عن ابن عامر : " ربنا " كذلك على الدعاء " بعد " من التبعيد . النحاس : وباعد وبعد واحد في المعنى ، كما تقول : قارب وقرب . وقرأ أبو صالح ومحمد بن الحنفية وأبو العالية ونصر بن عاصم
هامش
( 1 ) راجع ج 1 ص 422 فما بعد . ( 2 ) راجع ج 8 ص 398 ( 3 ) يقال للرجل إذا شدت يداه ورجلاه أو أمسكه رجل آخر حتى يضرب عنقه أو حبس على القتل حتى يقتل : قتل صبرا .