يقول : ( من حوسب هلك ) فقلت : يا نبي الله ، فأين قوله عز وجل : " فسوف يحاسب
حسابا يسيرا " ( 1 ) [ الانشقاق : 8 ] ؟ قال : ( إنما ذلك العرض ومن نوقش الحساب هلك ) . وهذا إسناد صحيح ،
وشرحه : أن الكافر يكافأ على أعماله ويحاسب عليها ويحبط ما عمل من خير ، ويبين هذا
قوله تعالى في الأول : " ذلك جزيناهم بما كفروا " وفي الثاني : وهل يجازى إلا الكفور "
ومعنى " يجازى " : يكافأ بكل عمل عمله ، ومعنى " جزيناهم " . وفيناهم ، فهذا حقيقة اللغة ،
وإن كان " جازى " يقع بمعنى " جزى " . مجازا .
قوله تعالى : وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى
ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين ( 18 )
قوله تعالى : ( وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة ) قال الحسن :
يعني بين اليمن والشأم . والقرى التي بورك فيها : الشام والأردن وفلسطين . والبركة : قيل
إنها كانت أربعة آلاف وسبعمائة قرية بورك فيها بالشجر والثمر والماء . ويحتمل أن يكون
" باركنا فيها " بكثرة العدد . ( قرى ظاهرة ) قال ابن عباس : يريد بين المدينة والشام .
وقال قتادة : معنى " ظاهرة " : متصلة على طريق ، يغدون فيقيلون في قرية ويروحون
فيبيتون في قرية . وقيل : كان على كل ميل قرية بسوق ، وهو سبب أمن الطريق . قال
الحسن : كانت المرأة تخرج معها مغزلها وعلى رأسها مكتلها ثم تلتهي بمغزلها فلا تأتي بيتها حتى
يمتلئ مكتلها من كل الثمار ، فكان ما بين الشام واليمن كذلك . وقيل " ظاهرة " أي مرتفعة ،
قاله المبرد . وقيل : إنما قيل لها " ظاهرة " لظهورها ، أي إذا خرجت عن هذه ظهرت
لك الأخرى ، فكانت قرى ظاهرة أي معروفة ، يقال : هذا أمر ظاهر أي معروف .
( وقدرنا فيها السير ) أي جعلنا السير بين قراهم وبين القرى التي باركنا فيها سيرا مقدرا من
منزل إلى منزل ، ومن قرية إلى قرية ، أي جعلنا بين كل قريتين نصف يوم حتى يكون
المقيل في قرية والمبيت في قرية أخرى . وإنما يبالغ الانسان في السير لعدم الزاد والماء
هامش
( 1 ) راجع ج 19 ص 270 .