تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
على رجل ينبئكم " فنكروه لهم وعرضوا عليهم الدلالة عليه ، كما يدل على مجهول في أمر مجهول . قلت : كانوا يقصدون بذلك الطنز ( 1 ) والهزؤ والسخرية ، فأخرجوه مخرج التحكي ( 2 ) ببعض الأحاجي التي يتحاجى بها للضحك والتلهي ، متجاهلين به وبأمره . و " إذا " في موضع نصب والعامل فيها " مزقتم " قاله النحاس . ولا يجوز أن يكون العامل فيها " ينبئكم " ، لأنه ليس يخبرهم ذلك الوقت . ولا يجوز أن يكون العامل فيها ما بعد " إن " ، لأنه لا يعمل فيما قبله ، وألا يتقدم عليها ما بعدها ولا معمولها . وأجاز الزجاج أن يكون العامل فيها محذوفا ، التقدير : إذا مزقتم كل ممزق بعثتم ، أو ينبئكم بأنكم تبعثون إذا مزقتم . المهدوي : ولا يعمل فيه " مزقتم " ، لأنه مضاف إليه ، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف . وأجازه بعضهم على أن يجعل " إذا " للمجازاة ، فيعمل فيها حينئذ ما بعدها لأنها غير مضافة إليه . وأكثر ما تقع " إذا " للمجازاة في الشعر . ومعنى " مزقتم كل ممزق " فرقتم كل تفريق . والمزق خرق الأشياء ، يقال : ثوب مزيق وممزوق ومتمزق وممزق . قوله تعالى : أفترى على الله كذبا أم به جنة بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد ( 8 ) قوله تعالى : ( أفترى على الله كذبا ) لما دخلت ألف الاستفهام استغنيت عن ألف الوصل فحذفتها ، وكان فتح ألف الاستفهام فرقا بينها وبين ألف الوصل . وقد مضى هذا في سورة " مريم " عند قوله تعالى : " أطلع الغيب " ( 3 ) [ مريم : 78 ] مستوفى . ( أم به جنة ) هذا مردود على ما تقدم من قول المشركين ، والمعنى : قال المشركون " افترى على الله كذبا " . والافتراء الاختلاق . " أم به جنة " أي جنون ، فهو يتكلم بما لا يدري . ثم رد عليهم فقال : ( بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد ) أي ليس الامر كما قالوا ، بل هو أصدق الصادقين ، ومن ينكر البعث فهو غدا في العذاب ، واليوم في الضلال عن الصواب ، إذ صاروا إلى تعجيز الاله ونسبة الافتراء إلى من أيده الله بالمعجزات .
هامش
( 1 ) الطنز : السخرية . ( 2 ) في الكشاف والبحر : ( التحلي ) باللام . ( 3 ) راجع ج 11 ص 147