قوله تعالى : ( ومن آياته أن خلقكم من تراب ) أي من علامات ربوبيته ووحدانيته
أن خلقكم من تراب ، أي خلق أباكم منه والفرع كالأصل ، وقد مضى بيان هذا في " الانعام " ( 1 ) .
و " أن " في موضع رفع بالابتداء وكذا " أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا " .
( ثم إذا أنتم بشر تنتشرون ) ثم أنتم عقلاء ناطقون تتصرفون فيما هو قوام معايشكم ،
فلم يكن ليخلقكم عبثا ، ومن قدر على هذا فهو أهل للعبادة والتسبيح . ومعنى : ( خلق لكم
من أنفسكم أزواجا ) أي نساء تسكنون إليها . " من أنفسكم " أي من نطف الرجال ومن
جنسكم . وقيل : المراد حواء ، خلقها من ضلع آدم ، قاله قتادة . ( وجعل بينكم مودة ورحمة )
قال ابن عباس ومجاهد : المودة الجماع ، والرحمة الولد ، وقاله الحسن . وقيل : المودة والرحمة
عطف قلوبهم بعضهم على بعض . وقال السدي : المودة : المحبة ، والرحمة : الشفقة ، وروي معناه
عن ابن عباس قال : المودة حب الرجل امرأته ، والرحمة رحمته إياها أن يصيبها بسوء . ويقال :
إن الرجل أصله من الأرض ، وفيه قوة الأرض ، وفيه الفرج الذي منه بدئ خلقه فيحتاج
إلى سكن ، وخلقت المرأة سكنا للرجل ، قال الله تعالى : " ومن آياته أن خلقكم من تراب "
الآية . وقال : " ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها " فأول ارتفاق
الرجل بالمرأة سكونه إليها مما فيه من غليان القوة ، وذلك أن الفرج إذا تحمل ( 2 ) فيه هيج ماء
الصلب إليه ، فإليها يسكن وبها يتخلص من الهياج ، وللرجال خلق البضع منهن ، قال الله تعالى :
" وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم " ( 3 ) [ الشعراء : 166 ] فأعلم الله عز وجل الرجال أن ذلك الموضع خلق منهن
للرجال ، فعليها بذله في كل وقت يدعوها الزوج ، فإن منعته فهي ظالمة وفي حرج عظيم ،
ويكفيك من ذلك ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم : ( والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه إلا كان الذي
في السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها ) . وفي لفظ آخر : ( إذا باتت المرأة هاجرة فراش
زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح ) . ( ومن آياته خلق السماوات والأرض ) تقدم
هامش
( 1 ) راجع ج 6 ص 387 .
( 2 ) كذا في الأصل .
( 3 ) راجع ج 13 ص 132 .