أغلق دونه باب حصنه وأبى أن يفتح له ، فقال له : افتح لي يا أخي ، فقال له : لا أفتح
لك ، فإنك رجل مشئوم ، تدعوني إلى خلاف محمد وأنا قد عاقدته وعاهدته ، ولم أر منه
إلا وفاء وصدقا ، فلست بناقض ما بيني وبينه . فقال حيي : افتح لي حتى أكلمك وأنصرف
عنك ، فقال : لا أفعل ، فقال : إنما تخاف أن آكل معك جشيشتك ، فغضب كعب وفتح له ،
فقال : يا كعب ! إنما جئتك بعز الدهر ، جئتك بقريش وسادتها ، وغطفان وقادتها ، قد
تعاقدوا على أن يستأصلوا محمدا ومن معه ، فقال له كعب : جئتني والله بذل الدهر وبجهام ( 1 )
لا غيث فيه ! ويحك يا حيي ؟ دعني فلست بفاعل ما تدعوني إليه ، فلم يزل حيي بكعب
يعده ويغره حتى رجع إليه وعاقده على خذلان محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأن يسير معهم ،
وقال له حيي بن أخطب : إن انصرفت قريش وغطفان دخلت عندك بمن معي من اليهود .
فلما انتهى خبر كعب وحيي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعث سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج ،
وسيد الأوس سعد بن معاذ ، وبعث معهما عبد الله بن رواحة وخوات بن جبير ، وقال لهم
رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( انطلقوا إلى بني قريظة فإن كان ما قيل لنا حقا فالحنوا لنا
لحنا ولا تفتوا في أعضاد الناس . وإن كان كذبا فاجهروا به للناس ) فانطلقوا حتى أتوهم
فوجدوهم على أخبث ما قيل لهم عنهم ، ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : لا عهد له
عندنا ، فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه ، وكانت فيه حدة فقال له سعد بن عبادة : دع عنك
مشاتمتهم ، فالذي بيننا وبينهم أكثر من ذلك ، ثم أقبل سعد وسعد حتى أتيا رسول الله
صلى الله عليه وسلم في جماعة المسلمين فقالا : عضل والقارة - يعرضان بغدر عضل والقارة
بأصحاب الرجيع خبيب وأصحابه - فقال النبي صلى الله عليه وسلم . ( أبشروا يا معشر المسلمين )
وعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف ، وأتى المسلمين عدوهم من فوقهم ، يعني من فوق الوادي
من قبل المشرق ، ومن أسفل منهم من بطن الوادي من قبل المغرب ، حتى ظنوا بالله الظنونا ،
وأظهر المنافقون كثيرا مما كانوا يسرون ، فمنهم من قال : إن بيوتنا عورة ، فلننصرف إليها ،
هامش
( 1 ) الجهام : السحاب لا ماء فيه .