في الامر بإراقة ما ولغ فيه وأن ذلك للنجاسة ، وإنما أمر بإراقته لان النفس تعافه لا لنجاسته ،
لان التنزه من الأقذار مندوب إليه ، أو تغليظا عليهم لأنهم نهوا عن اقتنائها كما قال ابن عمر
والحسن ، فلما لم ينتهوا ذلك غلظ عليهم في الماء لقلته عندهم في البادية ، حتى يشتد عليهم
فيمتنعوا من اقتنائها . وأما الامر بغسل الاناء فعبادة لا لنجاسته كما ذكرناه بدليلين : أحدهما
- أن الغسل قد دخله العدد . الثاني - أنه قد جعل للتراب فيه مدخل لقوله عليه السلام :
" وعفروه الثامنة بالتراب " . ولو كان للنجاسة لما كان للعدد ولا للتراب فيه مدخل
كالبول . وقد جعل صلى الله عليه وسلم الهر وما ولغ فيه طاهرا ، والهر سبع لا خلاف
في ذلك ، لأنه يفترس ويأكل الميتة ، فكذلك الكلب وما كان مثله من السباع ، لأنه إذا
جاء نص ذلك في أحدهما كان نصا في الآخر . وهذا من أقوى أنواع القياس . هذا لو لم يكن
هناك دليل ، وقد ذكرنا النص على طهارته فسقط قول المخالف . والحمد لله .
السابعة - ما مات في الماء مما لا دم له فلا يضر الماء إن لم يغير ريحه ، فإن أنتن
لم يتوضأ به . وكذلك ما كان له دم سائل من دواب الماء كالحوت والضفدع لم يفسد ذلك
الماء موته فيه ، إلا أن تتغير رائحته ، فإن تغيرت رائحته وأنتن لم يجز التطهر به ولا الوضوء
منه ، وليس بنجس عند مالك . وأما ما له نفس سائلة فمات في الماء ونزح مكانه ولم يغير
لونه ولا طعمه ولا ريحه فهو طاهر مطهر سواء كان الماء قليلا أو كثيرا عند المدنيين .
واستحب بعضهم أن ينزح من ذلك الماء دلاء لتطيب النفس به ، ولا يحدون في ذلك حدا
لا يتعدى . ويكرهون استعمال ذلك الماء قبل نزح الدلاء ، فإن استعمله أحد في غسل
أو وضوء جاز إذا كانت حاله ما وصفنا . وقد كان بعض أصحاب مالك يرى لمن توضأ بهذا
الماء وإن لم يتغير أن يتيمم ، فيجمع بين الطهارتين احتياطا ، فإن لم يفعل وصلى بذلك الماء
أجزأه . وروى الدارقطني عن محمد بن سيرين أن زنجيا وقع في زمزم - يعنى فمات -
فأمر به ابن عباس رضي الله عنه فأخرج فأمر بها أن تنزح . قال : فغلبتهم عين جاءتهم من
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 46
مساهمون: القرطبي
ص٤٦