تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
في الامر بإراقة ما ولغ فيه وأن ذلك للنجاسة ، وإنما أمر بإراقته لان النفس تعافه لا لنجاسته ، لان التنزه من الأقذار مندوب إليه ، أو تغليظا عليهم لأنهم نهوا عن اقتنائها كما قال ابن عمر والحسن ، فلما لم ينتهوا ذلك غلظ عليهم في الماء لقلته عندهم في البادية ، حتى يشتد عليهم فيمتنعوا من اقتنائها . وأما الامر بغسل الاناء فعبادة لا لنجاسته كما ذكرناه بدليلين : أحدهما - أن الغسل قد دخله العدد . الثاني - أنه قد جعل للتراب فيه مدخل لقوله عليه السلام : " وعفروه الثامنة بالتراب " . ولو كان للنجاسة لما كان للعدد ولا للتراب فيه مدخل كالبول . وقد جعل صلى الله عليه وسلم الهر وما ولغ فيه طاهرا ، والهر سبع لا خلاف في ذلك ، لأنه يفترس ويأكل الميتة ، فكذلك الكلب وما كان مثله من السباع ، لأنه إذا جاء نص ذلك في أحدهما كان نصا في الآخر . وهذا من أقوى أنواع القياس . هذا لو لم يكن هناك دليل ، وقد ذكرنا النص على طهارته فسقط قول المخالف . والحمد لله . السابعة - ما مات في الماء مما لا دم له فلا يضر الماء إن لم يغير ريحه ، فإن أنتن لم يتوضأ به . وكذلك ما كان له دم سائل من دواب الماء كالحوت والضفدع لم يفسد ذلك الماء موته فيه ، إلا أن تتغير رائحته ، فإن تغيرت رائحته وأنتن لم يجز التطهر به ولا الوضوء منه ، وليس بنجس عند مالك . وأما ما له نفس سائلة فمات في الماء ونزح مكانه ولم يغير لونه ولا طعمه ولا ريحه فهو طاهر مطهر سواء كان الماء قليلا أو كثيرا عند المدنيين . واستحب بعضهم أن ينزح من ذلك الماء دلاء لتطيب النفس به ، ولا يحدون في ذلك حدا لا يتعدى . ويكرهون استعمال ذلك الماء قبل نزح الدلاء ، فإن استعمله أحد في غسل أو وضوء جاز إذا كانت حاله ما وصفنا . وقد كان بعض أصحاب مالك يرى لمن توضأ بهذا الماء وإن لم يتغير أن يتيمم ، فيجمع بين الطهارتين احتياطا ، فإن لم يفعل وصلى بذلك الماء أجزأه . وروى الدارقطني عن محمد بن سيرين أن زنجيا وقع في زمزم - يعنى فمات - فأمر به ابن عباس رضي الله عنه فأخرج فأمر بها أن تنزح . قال : فغلبتهم عين جاءتهم من
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 46 | القرطبي