تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 358

مساهمون:

ص٣٥٨
والمنكر تترتب فيها هذه الآية ، وتلزم الهجرة عنها إلى بلد حق . وقاله مالك . وقال مجاهد : " إن أرضي واسعة " فهاجروا وجاهدوا . وقال مطرف بن الشخير : المعنى إن رحمتي واسعة . وعنه أيضا : إن رزقي لكم واسع فابتغوه في الأرض . قال سفيان الثوري : إذا كنت بأرض غالية فانتقل إلى غيرها تملأ فيها جرابك خبزا بدرهم . وقيل : المعنى : إن أرضي التي هي أرضى الجنة واسعة . " فاعبدون " حتى أورثكموها . " فإياي فاعبدون " " إياي " منصوب بفعل مضمر ، أي فاعبدوا إياي فاعبدون ، فاستغنى بأحد الفعلين عن الثاني ، والفاء في قوله : " فإياي " بمعني الشرط ، أي إن ضاق بكم موضع فإياي فاعبدوني [ في غيره ] ( 1 ) ، لان أرضي واسعة . قوله تعالى : ( كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون ) تقدم في " آل عمران " ( 2 ) . وإنما ذكره ها هنا تحقيرا لأمر الدنيا ومخاوفها . كأن بعض المؤمنين نظر في عاقبة تلحقه في خروجه من وطنه من مكة أنه يموت أو يجوع أو نحو هذا ، فحقر الله شأن الدنيا . أي أنتم لا محالة ميتون ومحشورون إلينا ، فالبدار إلى طاعة الله والهجرة إليه وإلى ما يمتثل . ثم وعد المؤمنين العاملين بسكنى الجنة تحريضا منه تعالى ، وذكر الجزاء الذي ينالونه ، ثم نعتهم بقوله : ( الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون ) وقرأ أبو عمر ويعقوب والجحدري وأبن أبي أسحق وابن محيصن والأعمش وحمزة والكسائي وخلف " يا عبادي " بإسكان الياء . وفتحها الباقون . " إن أرضى " فتحها ابن عامر . وسكنها الباقون . وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من فر بدينه من أرض إلى أرض ولو قيد شبر استوجب الجنة وكان رفيق محمد وإبراهيم " عليهما السلام . " ثم إلينا ترجعون " . وقرأ السلمي وأبو بكر عن عاصم " يرجعون " بالياء ، لقوله " كل نفس ذائقة الموت " وقرأ الباقون بالتاء ، لقوله " يا عبادي الذين آمنوا " وأنشد بعضهم : الموت في كل حين ينشد الكفنا * ونحن في غفلة عما يراد بنا لا تركنن إلى الدنيا وزهرتها * وإن توشحت من أثوابها الحسنا
هامش
( 1 ) زيادة يقتضيها السياق . ( 2 ) راجع ج 4 ص 297 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية .