تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
وفي كتاب الشهاب : " اتقوا دعوة المظلوم فإنها تحمل على الغمام فيقول الله تبارك وتعالى وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين " وهو صحيح أيضا . وخرج الآجري من حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم : " فإني لا أردها ولو كانت من فم كافر " فيجيب المظلوم لموضع إخلاصه بضرورته بمقتضى كرمه ، وإجابة لا خلاصه وإن كان كافرا ، وكذلك إن كان فاجرا في دينه ، ففجور الفاجر وكفر الكافر لا يعود منه نقص ولا وهن على مملكة سيده ، فلا يمنعه ما قضى للمضطر من إجابته . وفسر إجابة دعوة المظلوم بالنصرة على ظالمه بما شاء سبحانه من قهر له ، أو اقتصاص منه ، أو تسليط ظالم آخر عليه يقهره كما قال عز وجل : " وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا " وأكد سرعة إجابتها بقول : " تحمل على الغمام " ومعناه والله أعلم أن الله عز وجل يوكل ملائكته بتلقي دعوة المظلوم وبحملها على الغمام ، فيعرجوا بها إلى السماء ، والسماء قبلة الدعاء ليراها الملائكة كلهم ، فيظهر منه معاونة المظلوم ، وشفاعة منهم له في إجابة دعوته ، رحمة له . وفي هذا تحذير من الظلم جملة ، لما فيه من سخط الله ومعصيته ومخالفة أمره ، حيث قال على لسان نبيه في صحيح مسلم وغيره : " يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا " الحديث . فالمظلوم مضطر ، ويقرب منه المسافر ، لأنه منقطع عن الأهل والوطن منفرد عن الصديق والحميم ، لا يسكن قلبه إلى مسعد ولا معين لغربته . فتصدق ضرورته إلى المولى ، فيخلص إليه في اللجاء ، وهو المجيب للمضطر إذا دعاه ، وكذلك دعوة الوالد على ولده ، لا تصدر منه مع ما يعلم من حنته عليه وشفقته ، إلا عند تكامل عجزه عنه ، وصدق ضرورته ، وإياسه عن بر ولده ، مع وجود أذيته ، فيسرع الحق إلى إجابته . قوله تعالى ( ويكشف السوء ) أي الضر . وقال الكلبي : الجور . ( ويجعلكم خلفاء الأرض ) أي سكانها يهلك قوما وينشئ آخرين . وفي كتاب النقاش : أي ويجعل أولادكم خلفا منكم . وقال الكلبي : خلفا من الكفار ينزلون أرضهم ، وطاعة الله بعد كفرهم . ( أإله مع الله ) على جهة التوبيخ ، كأنه قال أمع الله ويلكم إله ، ف‍ " إله " مرفوع ب‍ " مع " .
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 224 | القرطبي