تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
لا أنه يتحيز فيهما ، ولكن يظهر في كل فعل فيعلم به وجود الفاعل . وقيل على هذا : أي بورك من في النار سلطانه وقدرته . وقيل : أي بورك ما في النار من أمر الله تعالى الذي جعله علامة . قلت : ومما يدل على صحة قول ابن عباس ما خرجه مسلم في صحيحه ، وابن ماجة في سننه واللفظ له عن أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض ( 1 ) القسط ويرفعه حجابه النور لو كشفها لا حرقت سبحات وجهه كل شئ أدركه بصره " ثم قرأ أبو عبيدة " أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين " أخرجه البيهقي أيضا . ولفظ مسلم عن أبي موسى قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات ، فقال : " إن الله عز وجل لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور - وفي رواية أبى بكر النار - لو كشفه لا حرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه " قال أبو عبيد : يقال السبحات إنها جلال وجهه ، ومنها قيل : سبحان الله إنما هو تعظيم له وتنزيه . وقوله : " لو كشفها " يعنى لو رفع الحجاب عن أعينهم ولم يثبتهم لرؤيته لاحترقوا وما استطاعوا لها . قال ابن جريج : النار حجاب من الحجب وهي سبعة حجب ، حجاب العزة ، وحجاب الملك ، وحجاب السلطان ، وحجاب النار ، وحجاب النور ، وحجاب الغمام ، وحجاب الماء . وبالحقيقة فالمخلوق المحجوب والله لا يحجبه شئ ، فكانت النار نورا وإنما ذكره بلفظ النار ، لان موسى حسبه نارا ، والعرب تضع أحدهما موضع الآخر . وقال سعيد بن جبير : كانت النار بعينها فأسمعه تعالى كلامه من ناحيتها ، وأظهر له ربوبيته من جهتها . وهو كما روى أنه مكتوب في التوراة : " جاء الله من سيناء وأشرف من ساعير واستعلى من جبال فاران " . فمجيئه من سيناء بعثه موسى منها ، وإشرافه من ساعير بعثه المسيح منها ، واستعلاؤه من فاران بعثه محمدا صلى الله عليه وسلم ، وفاران مكة . وسيأتي في " القصص " بإسماعه سبحانه كلامه من الشجرة زيادة بيان إن شاء الله تعالى .
هامش
( 1 ) لعل تأنيث الضمير بتأويل النور بالأنوار . ( هامش ابن ماجة ) .