قال الحسن : جعل الله عقوبة السامري ألا يماس الناس ولا يماسوه عقوبة له ولمن
كان منه إلى يوم القيامة ، وكأن الله عز وجل شدد عليه المحنة ، بأن جعله لا يماس أحدا
ولا يمكن من أن يمسه أحد ، وجعل ذلك عقوبة له في الدنيا . ويقال : ابتلى بالوسواس
وأصل الوسواس من ذلك الوقت . وقال قتادة : بقاياهم إلى اليوم يقولون ذلك - لا مساس -
وإن مس واحد من غيرهم أحدا منهم حم كلاهما في الوقت . ويقال : إن موسى هم بقتل
السامري ، فقال الله تعالى له : لا تقتله فإنه سخي . ويقال لما قال له موسى : " فاذهب فإن
لك في الحياة أن تقول لا مساس " خاف فهرب فجعل يهيم في البرية مع السباع والوحش ،
لا يجد أحدا من الناس يمسه حتى صار كالقائل : لا مساس ، لبعده عن الناس وبعد الناس
عنه ، كما قال الشاعر :
حمال رايات بها قناعسا * حتى تقول الأزد لا مسابسا ( 1 )
مسألة : هذه الآية أصل في نفي أهل البدع والمعاصي وهجرانهم وألا يخالطوا ، وقد فعل النبي
صلى الله عليه وسلم ذلك بكعب بن مالك والثلاثة ( 2 ) الذين خلفوا . ومن التجأ إلى الحرم وعليه
قتل لا يقتل عند بعض الفقهاء ، ولكن لا يعامل ولا يبايع ولا يشارى ، وهو إرهاق إلى الخروج .
ومن هذا القبيل التغريب في حد الزنى ، وقد تقدم جميع هذا كله في موضعه ، فلا معنى لإعادته .
والحمد لله وحده . وقال هارون القارئ : ولغة العرب لا مساس بكسر السين وفتح الميم ،
وقد تكلم النحويون فيه ، فقال سيبويه : هو مبني على الكسر كما يقال اضرب الرجل . وقال
أبو إسحاق : لا مساس نفي وكسرت السين لان الكسرة من علامة التأنيث ، تقول : فعلت
يا امرأة ( 3 ) . قال النحاس وسمعت علي بن سليمان يقول سمعت محمد بن يزيد يقول : إذا
أعتل الشئ من ثلاث جهات وجب أن يبني ، وإذا أعتل من جهتين وجب ألا ينصرف ،
لأنه ليس بعد ترك الصرف إلا البناء ، فمساس ودراك اعتل من ثلاث جهات : منها أنه
معدول ، ومنها أنه مؤنث ، وأنه معرفة ، فلما وجب البناء فيه وكانت الألف قبل السين
ساكنة كسرت السين لالتقاء الساكنين ، كما تقول : اضرب الرجل . ورأيت أبا إسحاق
هامش
( 1 ) كذا في الأصول ولم نقف عليه .
( 2 ) في ك : وصاحبيه .
( 3 ) كذا في النحاس . والذي في الأصول : فعلت المرأة .