لأنها بقعة يعصى الله ويكفر به فيها ، وليس كذلك المقبرة . وقد وردت السنة باتخاذ البيع
والكنائس مساجد . روى النسائي عن طلق بن علي قال : خرجنا وفدا إلى النبي صلى الله عليه
وسلم فبايعناه وصلينا معه ، وأخبرناه أن بأرضنا بيعة لنا ، وذكر الحديث . وفيه : " فإذا
أتيتم أرضكم فاكسروا بيعتكم واتخذوها مسجدا ) . وذكر أبو داود عن عثمان بن أبي العاص
أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يجعل مسجد الطائف حيث كانت طواغيتهم . وقد
تقدم في " براءة " . وحسبك بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم الذي أسس على التقوى مبنيا
في مقبرة المشركين ، وهو حجة على كل من كره الصلاة فيها . وممن كره الصلاة في المقبرة سواء
كانت لمسلمين أو مشركين الثوري أجزأه إذا صلى في المقبرة في موضع ليس فيه نجاسة ، للأحاديث
المعلومة في ذلك ، ولحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " صلوا في بيوتكم
ولا تتخذوها قبورا " ، ولحديث أبى مرثد الغنوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
" لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها " . وهذان حديثان ثابتان من جهة الاسناد ، ولا حجة
فيهما ، لأنهما محتملان للتأويل ، ولا يجب أن يمتنع من الصلاة في كل موضع طاهر إلا بدليل
لا يحتمل تأويلا . ولم يفرق أحد من فقهاء المسلمين بين مقبرة المسلمين والمشركين إلا ما حكيناه
من خطل القول الذي لا يشتغل بمثله ، ولا وجه له في نظر ولا في صحيح أثر .
وثامنها ( 2 ) - الحائط يلقى فيه النتن والعذرة ليكرم فلا يصلى فيه حتى يسقى ثلاث مرات ،
لما رواه الدارقطني عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحائط يلقى فيه
العذرة والنتن قال : " إذا سقى ثلاث مرات فصل فيه " . وخرجه أيضا من حديث نافع عن
ابن عمر أنه سئل عن هذه الحيطان التي تلقى فيها العذرات وهذا الزبل ، أيصلى فيها ؟ فقال :
إذا سقيت ثلاث مرات فصل فيها . رفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم . اختلفا
في الاسناد ، والله أعلم .
هامش
( 1 ) راجع ج 8 ص 254 فأبعد .
( 2 ) أراد ثامن المسائل التي استنبطها الفقهاء . والحائط الحديقة .