يحيى عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ، وكأنه أثبت وأصح . قال أبو عمر :
فسقط الاحتجاج به عند من لا يرى المرسل حجة ، ولو ثبت كان الوجه ما ذكرنا . ولسنا
نقول كما قال بعض المنتحلين لمذهب المدنيين : إن المقبرة في هذا الحديث وغيره أريد بها
مقبرة المشركين خاصة ، فإنه قال : المقبرة والحمام بالألف واللام ، فغير جائز أن يرد ذلك إلى مقبرة
دون مقبرة أو حمام دون حمام بغير توقيف عليه ، فهو قول لا دليل عليه من كتاب ولا سنة
ولا خبر صحيح ، ولا مدخل له في القياس ولا في المعقول ، ولا دل عليه فحوى الخطاب ولا خرج
عليه الخبر . ولا يخلو تخصيص من خص مقبرة المشركين من أحد وجهين : إما أن يكون من
أجل اختلاف الكفار إليها بأقدامهم فلا معنى لخصوص المقبرة بالذكر ، لان كل موضع هم
فيه بأجسامهم وأقدامهم فهو كذلك ، وقد جل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتكلم بما
لا معنى له . أو يكون من أجل أنها بقعة سخط ، فلو كان كذلك ما كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم ليبنى مسجده في مقبرة المشركين وينبشها ويسويها ويبنى عليها ، ولو جاز لقائل
أن يخص من المقام مقبرة للصلاة فيها لكانت مقبرة المشركين أولى بالخصوص والاستثناء
من أجل هذا الحديث . وكل من كره الصلاة في المقبرة لم يخص مقبرة من مقبرة ، لان الألف
واللام إشارة إلى الجنس لا إلى معهود ، ولو كان بين مقبرة المسلمين والمشركين فرق لنبيه
صلى الله عليه وسلم ولم يهمله ، لأنه بعث مبينا . ولو ساغ لجاهل أن يقول : مقبرة كذا لجاز
لآخر أن يقول : حمام كذا ، لان في الحديث المقبرة والحمام . وكذلك قوله : المزبلة
والمجزرة ، غير جائز أن يقال : مزبلة كذا ولا مجزرة كذا ولا طريق كذا ، لان التحكم في دين
الله غير جائز .
وأجمع العلماء على أن التيمم على مقبرة المشركين إذا كان الموضع طيبا طاهرا نظيفا جائز .
وكذلك أجمعوا على أن من صلى في كنيسة أو بيعة على موضع طاهر ، أن صلاته ماضية جائزة .
وقد تقدم هذا في سورة " براءة " . ومعلوم أن الكنيسة أقرب إلى أن تكون بقعة سخط من المقبرة ،
هامش
( 1 ) راجع ج 8 ص 255 .