قوله تعالى : ( وضرب الله مثلا قرية ) هذا متصل بذكر المشركين . وكان رسول الله
صلى الله عليه وسلم دعا على مشركي قريش وقال : " اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها
عليهم سنين كسني يوسف " . فابتلوا بالقحط حتى أكلوا العظام ، ووجه إليهم رسول الله
صلى الله عليه وسلم طعاما ففرق فيهم . ( كانت أمنة ) لا يهاج أهلها . ( يأتيها رزقها رغدا
من كل مكان ) من البر والبحر ، نظيره " تجبى إليه ثمرات كل شئ ( 1 ) " الآية . ( فكفرت
بأنعم الله ) الانعام : جمع النعمة ، كالأشد جمع الشدة . وقيل : جمع نعمى ، مثل بؤسى
وأبؤس . وهذا الكفران تكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم . ( فأذاقها الله ) أي أذاق
أهلها . ( لباس الجوع والخوف ) سماه لباسا لأنه يظهر عليهم من الهزال وشحوبة اللون وسوء
الحال ما هو كاللباس . ( بما كانوا يصنعون ) أي من الكفر والمعاصي . وقرأ حفص بن
غياث ونصر بن عاصم وابن أبي إسحاق والحسن وأبو عمرو فيما روى عنه عبد الوارث وعبيد وعباس
" والخوف " نصبا بإيقاع أذاقها عليه ، عطفا على . " لباس الجوع " [ أي أذاقها الله لباس الجوع ( 2 ) "
وأذاقها الخوف . وهو بعث النبي صلى الله عليه وسلم سراياه التي كانت تطيف بهم . وأصل
الذوق بالفم ثم يستعار فيوضع موضع الابتلاء . وضرب مكة مثلا لغيرها من البلاد ، أي إنها مع
جوار بيت الله وعمارة مسجده لما كفر أهلها أصابهم القحط فكيف بغيرها من القرى . وقد
قيل : إنها المدينة ، آمنت برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم كفرت بأنعم الله لقتل عثمان
ابن عفان ، وما حدث بها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفتن . وهذا قول عائشة
وحفصة زوجي النبي صلى الله عليه وسلم . قيل : إنه مثل مضروب بأي قرية كانت
على هذه الصفة من سائر القرى .
قوله تعالى : ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب
وهم ظالمون ( 113 )
هامش
( 1 ) راجع ج 13 ص 299 .
( 2 ) من ج وى .