وأعلن بالايمان وتبرأ من كل دين سوى الاسلام أن ذلك يمنع من إراقة دمه . وبه قال أصحاب
الرأي وأحمد والطبري وغيرهم . قال الشافعي وأصحابه . وإنما منع رسول الله صلى الله عليه وسلم
من قتل المنافقين ما كانوا يظهرونه من الاسلام مع العلم بنفاقهم ، لان ما يظهرونه يجب
ما قبله . وقال الطبري : جعل الله تعالى الاحكام بين عباده على الظاهر ، وتولى الحكم
في سرائرهم دون أحد من خلقه ، فليس لأحد أن يحكم بخلاف ما ظهر ، لأنه حكم بالظنون ،
ولو كان ذلك لاحد كان أولى الناس به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد حكم للمنافقين
بحكم المسلمين بما أظهروا ، ووكل سرائرهم إلى الله . وقد كذب الله ظاهرهم في قوله : " والله
يشهد إن المنافقين لكاذبون " [ المنافقون : 1 ] قال ابن عطية : ينفصل المالكيون عما لزموه من هذه
الآية بأنها لم تعين أشخاصهم فيها وإنما جاء فيها توبيخ لكل مغموص ( 1 ) عليه بالنفاق ،
وبقي لكل واحد منهم أن يقول : لم أرد بها وما أنا إلا مؤمن ، ولو عين أحد لما جب
كذبه شيئا .
قلت : هذا الانفصال فيه نظر ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم أو كثيرا منهم
بأسمائهم وأعيانهم بإعلام الله تعالى إياه ، وكان حذيفة يعلم ذلك بإخبار النبي عليه السلام إياه
حتى كان عمر رضي الله عنه يقول له : يا حذيفة هل أنا منهم ؟ فيقول له : لا .
القول الرابع : وهو أن الله تعالى كان قد حفظ أصحاب نبيه عليه السلام بكونه ثبتهم
أن يفسدهم المنافقون أو يفسدوا دينهم فلم يكن في تبقيتهم ضرر ، وليس كذلك اليوم ، لأنا
لا نأمن من الزنادقة أن يفسدوا عامتنا وجهالنا .
قوله تعالى : وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن
مصلحون ( 11 )
( إذا ) في موضع نصب على الظرف والعامل فيها " قالوا " ، وهي تؤذن بوقوع الفعل
المنتظر . قال الجوهري : " إذا " اسم يدل على زمان مستقبل ، ولم تستعمل إلا مضافة إلى
هامش
( 1 ) قوله : لكل مغموص . أي مطعون في دينه ، منهم بالنفاق .