وقال عليه السلام لفضل بن يونس : أبلغ خيرا وقل خيرا ولا تكن إمعة ( 1 ) . قلت : وما
الإمعة ؟ قال : لا تقل : أنا مع الناس وأنا كواحد من الناس . إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال :
يا أيها الناس إنما هما نجدان نجد خير ونجد شر فلا يكن نجد الشر أحب إليكم من
نجد الخير ( 2 ) " .
وروي أنه مر برجل من أهل السواد دميم المنظر ( 3 ) ، فسلم عليه ونزل عنده
وحادثه طويلا ، ثم عرض عليه السلام عليه نفسه في القيام بحاجة إن عرضت له ، فقيل له : يا ابن
رسول الله أتنزل إلى هذا ثم تسأله عن حوائجك وهو إليك أحوج ؟ فقال عليه السلام : عبد من
عبيد الله وأخ في كتاب الله وجار في بلاد الله ، يجمعنا وإياه خير الآباء آدم عليه السلام وأفضل
الأديان الاسلام ولعل الدهر يرد من حاجاتنا إليه ، فيرانا - بعد الزهو عليه ( 4 ) -
متواضعين بين يديه . ثم قال عليه السلام :
نواصل من لا يستحق وصالنا * مخافة أن نبقى بغير صديق
هامش
( 1 ) الامع والإمعة - بالكسر فالتشديد - قيل : أصله " انى معك " . وفضل بن يونس الكاتب
البغدادي عدة الشيخ من أصحاب الكاظم وقال : أصله كوفي تحول إلى بغداد مولى واقفي . انتهى .
ووثقه النجاشي وروى الكشي ما يدل على غاية إخلاصه للامام الكاظم قال : وجدت بخط محمد بن الحسن
ابن بندار القمي في كتابه حدثني علي بن إبراهيم عن محمد بن سالم قال : لما حمل سيدي قد كتب لي هتك
إلى الفضل بن يونس فتسأله أن يروح أمرى فركب إليه أبو الحسن فدخل عليه حاجبه وقال يا سيدي !
أبو الحسن موسى عليه السلام على الباب فقال : أن كنت صادقا فأنت حر ولك كذا وكذا فخرج الفضل
حافيا يعدو حتى وصل إليه فوقع على قدميه يقبلهما ثم سأله أن يدخل فقال له : اقض حاجة هشام
ابن إبراهيم فقضاها ثم قال : يا سيدي قد حضر الغذاء فتكرمني ان تتغذى عندي فقال : هات فجاء بالمائدة
وعليها البوارد فأجال أبو الحسن عليه السلام يده في البارد ثم قال : البارد تجال اليد فيه وجاؤوا بالحار
فقال أبو الحسن عليه السلام : الحار حمى .
( 2 ) النجد : الطريق الواضح المرتفع . وقوله عليه السلام : " إنما هما نجدان " فالظاهر
إشارة إلى قوله تعالى في سورة البلد آية 10 : " وهديناه النجدين " .
( 3 ) دميم المنظر أي قبيح المنظر من دم دمامة : كان حقيرا وقبح منظره .
( 4 ) الزهو : الفخر والكبر . قال الشاعر :
لا تهين الفقير علك أن * تركع يوما والدهر قد رفعه .