قلنا : ليس هذا التأويل بمانع من مطابقة الرؤيا المتقدمة في المعنى
دون الصورة ، لأنه ( ع ) لما رأى سجود الكواكب والقمرين له كان تأويل ذلك
بلوغه أرفع المنازل وأعلى الدرجات ونيله أمانيه وأغراضه ، فلما اجتمع مع
أبويه ورأياه في الحال الرفيعة العالية ونال ما كان يتمناه من اجتماع الشمل ،
كان ذلك مصدقا لرؤياه المتقدمة . فلذلك قال : ( هذا تأويل رؤياي من
قبل ) . فلا بد لمن ذهب إلى أنهم سجدوا له على الحقيقة من أن يجعل
ذلك مطابقا للرؤيا المتقدمة في المعنى دون الصورة ، لأنه ما كان رأى في
منامه أن إخوته وأبويه سجدوا له ، ولا رأى في يقظته الكواكب تسجد له . فقد
صح أن التطابق في المعنى دون الصورة .
ومنها : أن يكون السجود لله تعالى ، غير أنه كان إلى جهة يوسف ( ع )
ونحوه ، كما يقال : صلى فلان إلى القبلة وللقبلة . وهذا لا يخرج يوسف
( ع ) من التعظيم ، ألا ترى أن القبلة معظمة وإن كان السجود لله تعالى
نحوها .
ومنها : أن السجود ليس يكون بمجرده عبادة حتى يضاف إليه من
الأفعال ما يكون عبادة ، فلا يمتنع أن يكون سجدوا له على سبيل التحية
والاعظام والاكرام ، ولا يكون ذلك منكرا لأنه لم يقع على وجه العبادة التي
يختص بها القديم تعالى وكل هذا واضح .
تنزيه يوسف ( ع ) عن طاعة الشيطان :
( مسألة ) : فإن قيل : فما معنى قوله تعالى حكاية عنه ( ع ) من بعد أن
نزغ الشيطان ( 1 ) بيني وبين أخوتي ، وهذا يقتضي أن يكون قد أطاع الشيطان
ونفذ فيه كيده ونزغه ؟ .
هامش
( 1 ) نزع الشيطان بينهم : أغرى بعضهم على بعض .