( الجواب ) : قلنا في تأويل هذا الخبر وجوه كل واحد منها يخرج
كلامه صلى الله عليه وآله من حيز الشبهة :
( أولها ) انه أراد نفي الملل عنه تعالى ، وأنه لا يمل ابدا ، فعلقه
بما لا يقع على سبيل التبعيد كما قال عز وجل ( ولا يدخلون الجنة حتى يلج
الجمل في سم الخياط ) وكما قال الشاعر :
فإنك سوف تحكم أو تباهي * إذا ما شبت أو شاب الغراب
أراد انك لا تحكم ابدا .
فان قيل ومن أين لكم ان الذي علقه به لا يقع ، حتى حكمتم بأنه أراد
نفي الملل على سبيل التأبيد .
قلنا : معلوم ان الملل لا يشمل البشر في جميع أمورهم وأطوارهم ،
وأنهم لا يعرفون من حرص ورغبة وأمل وطمع ، فلهذا جاز ان يعلق ما علم
الله تعالى انه لا يكون تمللهم .
والوجه الثاني : أن يكون المعنى انه تعالى لا يغضب عليكم فيطرحكم
ويخليكم من فضله واحسانه حتى تتركوا العمل له وتعرضوا عن سؤاله والرغبة
في حاجاتكم إلى جوده . فسمى الفعلين مللا وان لم يكونا على الحقيقة
كذلك على مذهب العرب في تسميتها الشئ باسم غيره إذا وافق معناه من
بعض الوجوه ، قال عدي بن زيد العبادي :
ثم اضحوا لعب الدهر بهم * وكذاك الدهر يودى بالرجال
وقال عبيد بن الأبرص الأسدي :
سائل بنا حجر بن أم قطام إذ * ظلت به السمر الذوابل تلعب
فنسب اللعب إلى الدهر والقنا تشبيها .
هامش
( 1 ) الأعراف 40