هناك ظهور فعلي ، فتجري فيما إذا احتف الكلام بما يصلح للقرينية ، وعلى الأول ،
هل المدار هو الظهور التصديقي ، بأن يكون المتكلم في مقام الإفادة والاستفادة ، أو
يكفي الظهور التصوري ، ومجرد ظهور اللفظ في انسباق المعنى منه إلى الذهن لتبادر ،
أو غيره ، وجهان ، أوجههما الأول ، من كل من الشقين ، لان عمدة الدليل على حجية
الأصول اللفظية ، إنما هي السيرة العقلائية ، ولابد في مثلها من الأدلة اللبية ، من
الاقتصار على المتيقن ، نعم ليس المدار على التصديقي الفعلي الشخصي منه ، بل المدار
على النوعي دون الشخصي ، لقيام السيرة على ذلك ، كما لا يخفى .
الثالثة ، هل المدار في حجية الظهور على خصوص من قصد إفهامه ، أو يعمه
وغيره ، الحق هو الثاني ، لقضاء العرف والسيرة بذلك ، بلا فرق في ذلك بين ظواهر
كلام الآدميين والكتاب المبين ، وما جاء عن سيد المرسلين والأئمة المعصومين ، وما يقال
فيها من إنا نعلم إجمالا بإرادة خلاف الظاهر في جملة منها ، وهذا مانع من حجيتها ، مدفوع بأنا
نعلم إجمالا بإرادة خلاف الظاهر فيها بمقدار ، لو تفحصنا لظفرنا بها ، وقد تفحصنا وظفرنا
بموارد خلاف الظاهر ، والحمد لله تعالى ، فمقتضى الحجية موجود ، ولا مانع في البين .
ثم إنه ما أقصر نظر من قصر حجية الظواهر بغير الكتاب ، بزعم أن نزوله لمحض
الاعجاز ، لا الإفادة والاستفادة ، أو للعلم الاجمالي بوقوع التحريف فيه ، أو لما ورد
من حرمة تفسيره ، إذ كيف نزل القرآن لغير الإفادة ، مع إنه قانون عام لحفظ نظام
المعاش والمعاد ، مع إن الامام " ع " قد أحال جمعا من أصحابه في موارد كثيرة إلى
الاستفادة منه ، والعلم بالتحريف على فرض قبوله ، ليس مانعا ، لخروج جملة من آيات
القرآن عن مورد الابتلاء ، كالقصص والحكايات ونحوها ، وفي مثله لا أثر للعلم
الاجمالي ، كما حققناه في محله ، ثم منع كون العمل بالظواهر من التفسير الممنوع ، كيف
أرجعوا " ع " أصحابهم إلى استنباط الاحكام من ظواهر الكتاب ، كما لا يخفى على
من راجع كتب الاخبار والأحاديث ، وما ظاهره المنع اتباع ظواهر الكتاب ،
مخصوص بمن قال : حسبنا كتاب الله ، وأصحابه لا مثل من يأخذ ظواهر الكتاب
عمن خوطب بالكتاب ، ثم إنه لو اختلفت القراءة في كلمة من القرآن ، فالظاهر هو
التساقط ، كما هو الأصل في تعارض كل حجة ، ما لم يقم دليل على الخلاف .
تنقيح الأصول ، خلاصة ما استفاده من أبحاث الشيخ ضياء الدين العراقي — صفحة 31
مساهمون: السيد محمد رضا الطباطبائي
ص٣١