فعلية ، لا بعناية أخرى ، كما لا يخفى ، فالحق في الجواب ، أن يقال بعد البناء على طريقية
الامارات ، كما هو بناء العقلاء فيما يعتمدون عليه فيما بينهم من الامارات العرفية ، التي
بها قوام معاشهم ، إذ المغروس في أذهانهم ليس إلا الطريقية ، ولا يخطر ببالهم
الموضوعية أبدا ، إن مرجع الامر الطريقي بحسب ما هو المرتكز في الأذهان ، ليس
إلا الترخيص في عدم لزوم إتيان الواقع عند الجهل به ، وعدم مصادفة الطريق
المجعول له ، من دون اشتياق وحب في موردها أبدا ، مع بقاء الشوق والمحبة
الاقتضائية بالنسبة إلى الواقع ، لاطلاق مصلحته الشاملة لجميع المراتب والحالات ،
وهذه المصلحة ليست علة تامة لتشريع الخطاب في الواقع مطلقا ، بحيث يقبح
التفويت ، وجعل ما يتخلف منه أحيانا واتفاقا ، بل هي تامة للتشريع والجعل ، بقدر
استعداد الخطاب فقط ، وهو فقط مقصود المولى بجميع المقدمات التي في الرتبة
السابقة على الخطاب ، وأما الأمور المتأخرة عن نفس الخطاب ، كالعلم به ، وتطبيق
العبد خطاب مولاه على المورد ، مقدمة لجريه على طبقه ، فالخطاب تأخر عنه ، وحيث
يقصر الخطاب الأولى عن شمول المرتبة المتأخرة ، مع ابتلاء نوع المكلفين بها ، فللمولى
الحكيم أن يعتني بهذه المرتبة ، بإيجاد خطاب آخر يشمل مرتبة الجهل بالخطاب الأول
لقصوره بنفسه عن الشمول له ، فالخطابات الأولية الواقعية فعلية بمقدار استعدادها ،
والخطاب الثاني الطريقي مظهر لفعليتها عند المصادفة ، ومصحح اعتذار العبد عند
المخالفة ، فلا تعدد في الحكم ، حتى يلزم اجتماع المثلين ، أو الضدين ، ولا علية للمصلحة
الواقعية مطلقا ، حتى بالنسبة إلى مرتبة الجهل ، حتى يلزم تفويت المصلحة الحاصلة ، نعم
هي ثابتة ثبوتا اقتضائيا ، فمن الجائز تحقق مصلحة نوعية أخرى أهم من المصلحة
الاقتضائية الواقعية ، فيتدارك بها ما فات من المصلحة الاقتضائية الواقعية ، هذا
لباب القول في وجه حجية الامارات ، ورد ما ورد عليها من الشبهات ، وأما الفرق
بينها وبين الأصول ، فلابد فيه أيضا من الرجوع إلى العرف ، واستكشاف ما هو
المرتكز في أذهان العقلاء ، فنريهم يبنون على مكشوفية الواقع تارة ، والبناء على العمل
على أحد طرفي الشك في ظرف عدم الانكشاف أخرى ، وعلى طبق هذا الارتكاز
العرفي ، ورد مثل قوله " ع " : ما أديا فعنى يؤديان ، لان مثل هذه التعبيرات كناية عن
تنقيح الأصول ، خلاصة ما استفاده من أبحاث الشيخ ضياء الدين العراقي — صفحة 29
مساهمون: السيد محمد رضا الطباطبائي
ص٢٩